في قلب مدينة الجديدة، لم يكن المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل لحظة سياسية محمّلة بالدلالات، حاول من خلالها الحزب الإجابة عن سؤال قديم جديد في التجربة الحزبية المغربية: كيف يتم الانتقال من منطق الزعامة إلى منطق المؤسسة دون أن تفقد القيادة مركز ثقلها؟
الخطاب الذي افتتح به راشيد الطالبي العلمي أشغال المؤتمر قدّم قرار عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة باعتباره “ثقافة قدوة” وخطوة مؤسسة للتداول الديمقراطي.
غير أن هذا التأطير، رغم وجاهته الشكلية، يضع الحزب مباشرة تحت مجهر المساءلة: هل نحن أمام تداول فعلي للسلطة داخل التنظيم، أم أمام إعادة ترتيب محسوبة للأدوار تحمي الحزب من كلفة المرحلة السياسية المقبلة؟
انسحاب أخنوش من رئاسة الحزب يأتي في سياق دقيق، يتقاطع فيه تدبير الشأن الحكومي مع تزايد الانتقادات الاجتماعية والسياسية. لذلك يصعب فصل هذا القرار عن منطق “الخروج المحسوب” الذي يسمح بالحفاظ على صورة الحزب كمؤسسة لا تختزل في شخص واحد، مع الإبقاء على تأثير الزعيم السابق في التوجهات الكبرى.
فعدم التمديد هنا لا يعني بالضرورة انسحابًا من مركز القرار، بقدر ما يعكس إعادة تموضع تنظيمي تُدار فيه السلطة بأدوات أقل مباشرة.
المفارقة الكبرى، التي تُضعف خطاب التداول، تجلت في إعلان ترشيح وحيد لرئاسة الحزب، يتعلق بـ محمد شوكي.
فبينما جرى الاحتفاء بكسر “الولاية الثالثة” باعتباره انتصارًا للمبدأ، وجد المؤتمر نفسه أمام انتقال قيادي بلا منافسة.
هذا المعطى يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الديمقراطية الداخلية: هل التداول يعني فقط تغيير الوجوه، أم يفترض فتح المجال أمام تعدد البرامج والرؤى داخل الحزب؟
في التجارب الديمقراطية الراسخة، لا يُقاس التداول بعدد الولايات فقط، بل بمدى اتساع دائرة الاختيار وحرية التنافس.
أما حين يُدار الانتقال عبر مرشح فريد، فإن الأمر يقترب أكثر من “هندسة تنظيمية” تضمن الاستمرارية والاستقرار، ولو على حساب النقاش الداخلي.
من هذا المنظور، يبدو أن الحزب انتقل من منطق الزعامة الفردية إلى منطق القيادة المُدارة، حيث يتم التحكم في إيقاع التغيير دون المخاطرة بارتباك داخلي.
الرسائل التي بعث بها المؤتمر لم تكن موجهة فقط للمناضلين، بل أيضًا لباقي الأحزاب التي لا تزال غارقة في صراعات التمديد وتعديل القوانين الداخلية.
أراد “الأحرار” تقديم نفسه كنموذج حداثي يحترم قواعده التنظيمية ويقطع مع شخصنة القيادة.
غير أن هذا الادعاء يظل رهين الاختبار، خاصة في ظل غياب منافسة حقيقية تُعطي للتداول معناه السياسي الكامل.
المرحلة المقبلة، تحت قيادة محمد شوكي، ستكشف حدود هذا الانتقال.
فبعيدًا عن النقاش حول الكفاءة الشخصية للمرشح الوحيد، يبقى السؤال الأساسي: هل سيقود الحزب باعتباره مؤسسة مفتوحة على التعدد وتجديد النخب، أم سيقتصر دوره على إدارة التنظيم في أفق استحقاقات 2026، مع بقاء مركز الثقل السياسي خارج الهياكل الرسمية؟
ما جرى في الجديدة يعبّر عن مقامرة سياسية محسوبة: الحزب يراهن على أن رمزية التداول ستعوض غياب المنافسة، وأن صورة “القيادة الجماعية” ستكفي لترسيخ شرعية المرحلة الجديدة. غير أن الرأي العام، الذي يطالب اليوم بقدر أكبر من الشفافية والمساءلة، لن يكتفي بالشكل. الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد المؤتمر، وسيقاس بمدى قدرة الحزب على تحويل التداول من إجراء منضبط إلى ممارسة ديمقراطية حية، تُقنع الداخل قبل الخارج، وتمنح للعمل الحزبي معنى يتجاوز إعادة توزيع الأدوار.
