في لحظات الكوارث الطبيعية، لا يكون الخطاب السياسي مجرد أداة للتوصيف، بل يتحول إلى مرآة تعكس حدود المسؤولية ودرجة الالتصاق بالواقع.
هذا المعطى عاد بقوة إلى الواجهة عقب الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق في شمال المغرب، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، محمد أوجار، لجريدة مدار21، والتي اعتبر فيها أن المغرب “فاجأ العالم” بفعالية استجابته للفيضانات، مشيداً بما وصفه بالاستنفار الملكي الاستباقي وتعبئة مختلف مؤسسات الدولة.
لا يختلف اثنان حول مركزية التدخل الملكي في تدبير الأزمات؛ فاستنفار الملك محمد السادس بات يشكل ركيزة ثابتة في مواجهة الكوارث، ويوفر الإطار الذي تتحرك داخله مؤسسات الدولة بسرعة وفعالية.
وقد تُرجم ذلك ميدانياً عبر تعبئة القوات المسلحة الملكية، وأجهزة الأمن، والوقاية المدنية، والسلطات الترابية، التي اضطلعت بعمليات الإجلاء، وتأمين المناطق المهددة، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للسكان المتضررين.
غير أن النقاش لا يتوقف عند تثمين هذا التدخل، بقدر ما يمتد إلى طبيعة الخطاب السياسي المصاحب له.
فتصريحات أوجار، التي اعتمدت لغة “الإبهار” و“مفاجأة العالم”، قدّمت قراءة احتفالية للحظة الاستجابة، لكنها أغفلت أسئلة جوهرية تتعلق بما قبل الكارثة وما بعدها.
فالفيضانات ليست حدثاً عابراً يصلح للاحتفاء، بل نتيجة لاختلالات بنيوية تتكرر في نفس المجالات، وتضع السياسات الوقائية والتخطيط الترابي أمام اختبار حقيقي.
كما أن التركيز على عدم تسجيل وفيات، رغم أهميته من الناحية الإنسانية، يظل مؤشراً جزئياً لا يكفي لتقييم نجاعة التدبير العمومي.
فآلاف الأسر التي اضطرت إلى مغادرة مساكنها، وقرى عاشت عزلة قاسية، ومناطق تكبدت خسائر مادية جسيمة، كلها عناصر تفرض نقاشاً أعمق حول جاهزية البنيات التحتية، وقدرة السياسات العمومية على استباق المخاطر المناخية التي لم تعد استثنائية بل متكررة.
في هذا السياق، يبرز سؤال الحضور الحكومي.
فباستثناء بلاغات عامة وتصريحات مقتضبة، ظل الخطاب الحكومي محدوداً، دون تقديم معطيات دقيقة حول برامج التعويض، أو آجال إعادة الإعمار، أو حجم الموارد المرصودة لمواكبة المتضررين.
هذا الصمت يكتسي دلالة خاصة في ظل غياب أي إعلان رسمي يُصنّف المناطق المتضررة كـ“مناطق منكوبة”، وما يستتبعه ذلك من تفعيل لآليات قانونية ومالية استثنائية.
ويتعزز هذا الغموض مع محدودية التواصل حول دور صندوق الكوارث، ومعايير تدخله، وحجم موارده، ومسارات صرفها، بما فيها القنوات التي تمر عبر جمعيات الوساطة.
فغياب الشفافية لا يعني بالضرورة وجود اختلالات، لكنه يفتح المجال أمام الشكوك، ويؤجل بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات في لحظة يفترض أن يكون فيها الوضوح أولوية.
من هنا، فإن مساءلة خطاب “إبهار العالم” لا تستهدف التشكيك في مجهود الدولة ولا في فعالية التدخل الميداني، بل تطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود الدور الحكومي في تدبير ما بعد الكارثة. فالدولة التي تنجح في إنقاذ الأرواح مطالبة أيضاً بالنجاح في الوقاية، وفي التواصل الصادق، وفي تقديم أجوبة واضحة حول التعويض وإعادة الإعمار.
وبين استنفار ملكي يقود الفعل، وخطاب سياسي يحتفي باللحظة، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل الكوارث من أزمات متكررة إلى فرص لإصلاح السياسات العمومية وتعزيز ثقة المتضررين.
