لم تكن دموع بعض قيادات ومناضلي حزب التجمع الوطني للأحرار في وداع عزيز أخنوش مجرد لحظة إنسانية عابرة، بل تحوّلت، في أعين كثيرين، إلى مرآة كاشفة للمسافة الفاصلة بين عاطفة “الجماعة الحزبية” ووجع “الجسد الوطني”.
داخل قاعة مكيّفة، بعيدة عن غبار الأقاليم المنسية وثقل الهامش، حضرت لحظة وجدانية مكثفة، أُحيطت بعناية تنظيمية ورمزية عالية، في مقابل صمت وجداني بدا لافتاً في محطات سابقة كان فيها الوطن مثقلاً بالفقد.
المشهد، كما قُدّم للرأي العام، بلقطاته المنتقاة وإيقاعه العاطفي، فتح باب تساؤل مشروع: كيف تُستدعى هذه الكثافة الشعورية في وداع زعيم حزبي، بينما غابت اللغة الوجدانية نفسها في لحظات وطنية مفصلية، عندما واجه المغاربة فواجع كبرى، من زلزال الحوز إلى سيول آسفي ومناطق الجنوب؟ السؤال هنا لا يُطرح من باب الاتهام المباشر، بل من زاوية أخلاقية ورمزية، تتعلق بميزان التعاطف في الخطاب السياسي، وبكيفية توزيع العاطفة بين الحزبي والوطني.
في هذا السياق، يكتسب توصيف “التكنوقراط” معناه التحليلي، لا التوصيفي.
فالأمر لا يتعلق بالمسار السياسي القانوني لرئيس الحكومة، ولا بإنكار كونه فاعلاً حزبياً منتخباً، بل ينطلق من خلفيته قبل السياسة.
أخنوش، قبل أن يكون زعيماً حزبياً ورئيساً للحكومة، هو رجل مشاريع بامتياز، تشكّلت رؤيته للتدبير داخل عالم المقاولة، حيث تسود منطق النتائج، والنجاعة، وحساب الكلفة والعائد.
هذا المعطى ليس عيباً في حد ذاته، بل يصبح إشكالياً عندما تنتقل هذه الذهنية، دون مراجعة عميقة، من مجال الاقتصاد إلى مجال الحكم.
فعند اعتلائه رئاسة الحكومة، لم يحدث الفصل المنتظر بين منطق المقاولة ومنطق الدولة، بل استمر حضور العقل التدبيري نفسه، بلغة تقنية، ومقاربة ترى السياسات العمومية مشاريع تُدار، أكثر مما تراها مسارات اجتماعية تُحتضن.
هنا تحديداً يتشكّل معنى “التكنوقراط” كما استُعمل في هذا المقال: ليس كشخص، بل كنمط حكم يغلّب الأرقام والمؤشرات، ويؤجل البعد الوجداني، خصوصاً في لحظات الأزمات الجماعية.
لقد ظهر هذا المنحى بوضوح خلال زلزال الحوز، حين ساد خطاب رسمي يركّز على التتبع والتقييم والتعبئة اللوجستية، وهي عناصر ضرورية بلا شك، لكنها بدت، في غياب إشارات رمزية واضحة، غير كافية لاحتواء الصدمة النفسية والاجتماعية.
لم يكن المطلوب دموعاً استعراضية، بل حضوراً وجدانياً يشعر المواطن بأن من يدبّر الشأن العام يتقاسم معه الألم، لا يكتفي بإدارته من خلف الأرقام.
الأمر نفسه انسحب على فاجعة آسفي والفيضانات التي ضربت مناطق متعددة من البلاد، حيث غلبت لغة البلاغات والتقارير على لغة المواساة والاعتراف.
في المقابل، جاء وداع الزعيم الحزبي محمّلاً بعاطفة جارفة، ليُغذّي إحساساً لدى جزء من الرأي العام بأن التعاطف يُستدعى حين يتعلق الأمر بدائرة التنظيم والولاء، بينما يُدار الألم الوطني بعقلية “التدخل المحسوب”.
هذا التناقض لم يكن مجرد هفوة تواصلية، بل مؤشراً على خلل أعمق في تصور القيادة، حيث يتحول المواطن إلى رقم في ميزانية، بينما يصبح الزعيم مركز الثقل الوجداني داخل المنظومة.
قد يكون الحزب قد أثبت، في لحظة الوداع، أن قادته يملكون قلوباً نابضة بالمشاعر، لكن السؤال الذي تركه المشهد معلقاً هو: هل تنبض هذه القلوب بالوتيرة نفسها عندما يكون الوطن هو الجريح؟ الذاكرة الجماعية لا تحفظ فقط ما قيل وفُعل داخل القاعات المغلقة، بل تسجل أيضاً ما غاب في لحظات الامتحان الوطني.
والفارق بين رجل الدولة ورجل الحزب يتجلى هنا بالضبط: الأول يدرك أن التعاطف جزء من المسؤولية السياسية، والثاني قد يحصره داخل حدود الولاء التنظيمي.
بهذا المعنى، لم يكن وداع أخنوش مجرد نهاية مرحلة حزبية، بل لحظة كاشفة لاختبار أخلاقي أوسع، كشف حدود نموذج حكم مستلهم من عقلية المقاولة حين يُطبّق على الدولة دون إعادة تكييف إنساني.
ليس لأن الدموع سالت، بل لأنها سالت في المكان الخطأ، وفي الزمن الذي كان فيه الوطن أحوج إلى إشارات تطمئن قبل أن تُدبّر.
