بينما تُبشرنا الخطابات الرسمية بعهد جديد من “الحكامة” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وتطالب التقارير الدولية المغرب بترشيد الإنفاق لمواجهة الأزمات الاقتصادية، تأتي صور “السيارات ذات اللوحات الحمراء” وهي تصطف أمام خيام المؤتمرات الحزبية بمدينة الجديدة لتصفع هذا الخطاب في مقتل.
هي ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي رمز صارخ لاستباحة المال العام وتحويل إمكانيات الدولة إلى “أصل تجاري” يخدم الأجندات الضيقة، في مشهد ينم عن استهتار عميق بمشاعر المواطنين وبحرمة المؤسسات.
إن الخطورة في هذا المشهد لا تكمن فقط في لترات البنزين المستهلكة أو تآكل المحركات، بل في “تطبيع” العقل الجمعي للمنتخبين مع فكرة أن ممتلكات الشعب هي امتداد للنفوذ الشخصي والوجاهة الحزبية.
فعندما يركب رئيس جماعة سيارة ممولة من ضرائب البسطاء ليحضر “وليمة حزبية” في يوم عطلة، فهو يرسل رسالة تحدٍّ واضحة للجميع، مفادها أن الفوارق بين “الحزبي” و”المرفق العام” قد ذابت في بركة الريع، وأن القانون يسري فقط على من لا يملك “لوحة حمراء” تحميه.
أي ديمقراطية هذه التي نتحدث عنها عندما يدخل طرف سياسي غمار المنافسة وهو يمتلك أسطول الدولة، ولوجستيك الجماعات، ووقود الميزانية العامة، بينما يصارع المنافسون بإمكانياتهم الذاتية؟ إن هذا التداخل الفج هو اغتيال صريح لمبدأ تكافؤ الفرص، وتحويل للمرفق العام إلى “ذراع لوجستي” لتيار بعينه، مما يفرغ العملية السياسية من معناها الأخلاقي ويحولها إلى مجرد استعراض للقوة والوسائل المنهوبة من جيوب دافعي الضرائب.
والمثير للاستغراب هو هذا الصمت المطبق من طرف السلطات الوصية؛ فالمواطن اليوم لا يتساءل عن أخلاق المنتخبين، بل يتساءل عن دور وزارة الداخلية في كبح هذا التغول.
إن غياب “العين الحمراء” في مواجهة “اللوحات الحمراء” يُفسر في الشارع على أنه ضوء أخضر للاستمرار في العبث، فكيف يعقل أن تُحاصر البناءات العشوائية في القرى النائية بكل صرامة، بينما تُترك “عشوائية التدبير” الحزبي للمال العام تمر بسلام أمام الكاميرات؟
إن بناء مغرب المستقبل لا يستقيم مع ممارسات تنتمي لزمن “السيبة الإدارية”.
حماية المال العام تبدأ من أصغر التفاصيل، ومنع تحويل “ملك الدولة” إلى “ملك الحزب” هو الاختبار الحقيقي لجدية شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فبدون قرارات زجرية وعزل فوري لكل من ثبت تورطه في هذا الاستغلال، ستبقى خطابات الحكامة مجرد “ماكياج سياسي” يغطي وجه ممارسات ريعية تآكلت معها ثقة المواطن في كل ما هو مؤسساتي.
