بين “نشوة” الأرقام و“مرارة” الواقع: هل تعكس مداخلة السكوري من منصة مجلس المستشارين واقع العدالة الاجتماعية؟
في الوقت الذي كانت فيه قاعة مجلس المستشارين تحتضن، اليوم الاثنين، أشغال المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، اختار يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، اعتماد خطاب تبشيري بعقد اجتماعي جديد، قدّمه محاطًا بمفاهيم “الدولة الاجتماعية” وبلغة إنجازية رسمية، رسمت صورة بلد يسير بوتيرة متسارعة نحو تقليص الفوارق الاجتماعية.
غير أن هذه الصورة، عند مقارنتها بالواقع المعيشي اليومي، تفتح الباب أمام أسئلة جوهرية تكشف عن فجوة واضحة بين ما يُقال في المنصات المؤسساتية وما يعيشه المواطن في حيه وقريته، وتدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام تحول اجتماعي بنيوي فعلي، أم أمام معالجة تواصلية لواقع اجتماعي لا يزال متعثّرًا؟
تحدث الوزير عن إعادة صياغة العقد الاجتماعي لمواكبة تطلعات الشباب، مستشهدًا بالحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر باعتبارهما حقائق قائمة.
ولا جدال في أن هذه التحويلات المالية تمثل متنفسًا لعدد من الأسر الهشة، غير أن الإشكال المركزي لا يكمن في وجود الدعم في حد ذاته، بل في سؤال الاستدامة الذي لا تقدّم الحكومة بشأنه إجابات واضحة.
فحصر العدالة الاجتماعية في تحويلات مالية دورية، دون إسنادها بإصلاحات عميقة في منظومة الإنتاج والتعليم والتشغيل، يجعل هذه السياسة أقرب إلى تدبير ظرفي للسلم الاجتماعي، بدل أن تكون مدخلًا لإعادة توزيع حقيقي للفرص وتقليص دائم للهشاشة.
ويبرز هذا الخلل بشكل أوضح في ملف التشغيل، حين كشف الوزير أن ثلثي العاطلين في المغرب ينتمون إلى فئة الشباب خارج التعليم والشغل (NEET).
هذا المعطى، رغم أهميته من حيث التشخيص، يشكّل مؤشرًا مقلقًا على تعثّر السياسات العمومية السابقة في استيعاب الطاقات الشابة.
فكيف يمكن لبلد يعلن طموحه للتموقع الإقليمي أن يترك جزءًا كبيرًا من رأسماله البشري خارج دوائر التعليم والإنتاج؟ إن برامج الإدماج والتدرج المهني، رغم قيمتها التقنية، تبدو أمام حجم هذا التحدي محدودة الأثر، ما دام الاقتصاد الوطني عاجزًا عن خلق وظائف مستقرة تحفظ كرامة الشباب وتوفر لهم أفقًا مهنيًا واضحًا، بعيدًا عن هشاشة العمل الموسمي ومنطق المناولة.
وعندما انتقل الوزير إلى استعراض حصيلة الحوار الاجتماعي، خصوصًا ما يتعلق برفع الحد الأدنى للأجور، اصطدم الخطاب التقني مرة أخرى بواقع القدرة الشرائية المتآكلة.
فزيادات الأجور، في ظل تضخم مستمر وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تظل غير كافية ما لم تُواكب بسياسات فعالة لضبط الأسواق ومواجهة الاحتكار.
إذ لا تُقاس العدالة الاجتماعية بقيمة الزيادة الاسمية في الأجور، بل بقدرة الأجور الفعلية على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، وهو ما لا يزال بعيد المنال بالنسبة لفئات واسعة من الطبقات العاملة والفقيرة.
يعكس خطاب وزير الشغل تصورًا طموحًا لدور الدولة في المجال الاجتماعي، لكنه يظل، إلى حدود اليوم، محكومًا بمنطق الأرقام والمؤشرات أكثر من منطق الأثر الملموس.
فالانتقال من لغة “الإنجاز الرقمي” إلى تحسين فعلي لشروط العيش يظل التحدي الأكبر أمام الحكومة، لأن العدالة الاجتماعية لا تُبنى بالخطابات المؤطرة في القاعات الرسمية، بل بقدرة السياسات العمومية على تغيير واقع الفئات التي وُضعت في صلب “العقد الاجتماعي الجديد”، ولا تزال تنتظر ترجمة هذا الوعد في تفاصيل حياتها اليومية.
