لم يكن مبلغ الثلاثة ملايير درهم المرصود لضحايا الاضطرابات الجوية مجرد رقم في ميزانية الطوارئ، بل كان إعلاناً سياسياً واضحاً عن الفارق بين سرعة القرار في قمة الدولة وإيقاع التدبير داخل الجهاز التنفيذي.
فبينما كانت الفيضانات تجرف الأرض وتغمر 110 آلاف هكتار، تاركةً آلاف الأسر في مواجهة ظروف صعبة، بدا أن المسار الحكومي يسير وفق وتيرة إدارية تقليدية، قبل أن تأتي الإشارة السامية لتعيد ترتيب الأولويات وتسرّع وتيرة الحسم.
إن المتأمل في تسلسل الأحداث يلاحظ أن الحكومة، رغم توفرها على الصناديق والآليات القانونية والتفويض الدستوري، لم تنتقل إلى إعلان حالة كارثة وتفعيل برنامج الدعم إلا بعد صدور التعليمات الملكية.
وقد كشفت الأزمة عن فجوة بين “الزمن الميداني” الذي تفرضه الكارثة، و“الزمن الإداري” الذي تحكمه المساطر والتقديرات التقنية.
هذا الاعتماد المتكرر على الإشارة السامية لتسريع القرار يطرح سؤال الجاهزية، ويُبرز الحاجة إلى آليات استباقية أكثر فعالية داخل الجهاز التنفيذي.
وهنا تبرز المكانة السامية لجلالة الملك محمد السادس، باعتباره الضامن لاستمرارية الدولة وتوازن مؤسساتها.
فالتدخل الملكي لم يكن مجرد إعلان دعم مالي، بل خطوة سياسية ومعنوية أعادت الطمأنينة للمواطنين في العرائش وسيدي قاسم وغيرهما من المناطق المتضررة، ورسّخت صورة دولة حاضرة في لحظات الشدة.
لقد أعطت التعليمات السامية للكارثة بعدها الوطني، ودفعت نحو تفعيل منطق الدولة في مواجهة ظرف استثنائي.
غير أن الرهان اليوم لا يقتصر على صرف المليارات الثلاثة، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة المبادرة داخل الإدارة الحكومية.
فاليقظة الملكية ينبغي أن تتحول إلى محفز للإصلاح المؤسسي، لا إلى آلية دائمة لتصحيح الإيقاع التنفيذي كلما تأخر.
إن الحكومة مطالبة بتطوير منظومة استجابة أكثر سرعة ومرونة، تجعل تفعيل الصناديق والبرامج يتم تلقائياً فور تحقق شروط الطوارئ، دون انتظار تدخل استثنائي يعيد تحريك العجلة.
إن الدرس الأبرز من هذه المحطة ليس فقط في قيمة الدعم، بل في قيمة الزمن؛ فالزمن في لحظات الأزمات هو رأس مال سياسي وأخلاقي.
وحين تتقدم الإرادة العليا بسرعة الحسم، يصبح من المشروع مساءلة قدرة الجهاز التنفيذي على مجاراة ذلك الإيقاع، حتى تظل الدولة بكل مؤسساتها في مستوى تطلعات المواطنين وثقتهم.
