بينما يستعد المغرب لمرحلة عمرانية مكثفة، وضع رأي مجلس المنافسة هذا القطاع الاستراتيجي أمام قراءة دقيقة لبنيته التنافسية، كاشفاً عن سوق يتسم بدرجة مرتفعة من التركّز.
المجلس أكد أن ثلاث شركات تغطي ما بين 80 و90 في المائة من الطلب الوطني، كما أشار إلى أن البنية التنافسية جهوياً تتراوح بين احتكار القلة واحتكار ثنائي في بعض المناطق، بل وتقترب في حالات محددة من وضعيات شبه احتكارية.
هذا التشخيص يفتح نقاشاً مشروعاً حول مستوى شدة المنافسة داخل القطاع ومدى تأثيره على دينامية الأسعار.
اللافت في معطيات المجلس أن المصانع تشتغل في حدود 60 في المائة فقط من قدرتها الإنتاجية، وهو مؤشر يثير تساؤلات اقتصادية مهمة.
ففي النظريات الاقتصادية، قد يؤدي فائض العرض إلى ضغوط تنافسية على الأسعار، غير أن سوق الإسمنت تتميز بخصائص صناعية خاصة، من بينها ارتفاع الكلفة الثابتة وطابعها الرأسمالي المكثف.
كما نبّه المجلس إلى مخاطر محتملة لتوازي السلوك السعري في ظل تجانس المنتجات وشفافية الأسعار، وهو ما قد يحدّ من اندفاع الفاعلين نحو تخفيضات فردية حادة.
كما أن استحواذ فاعل واحد على نحو نصف القدرة الإنتاجية الوطنية و54 في المائة من إنتاج الكلنكر يطرح تساؤلات حول مدى سهولة دخول منافسين جدد، خاصة في ظل حواجز استثمارية وإدارية قد تمتد لسنوات طويلة.
الرأي لم يقتصر على مستوى الإنتاج، بل سلط الضوء على الدور المحوري لقناة التوزيع، حيث تمر عبر الموزعين نحو 92 في المائة من الإسمنت الموجه لأوراش السكن، برقم معاملات يفوق 9.9 مليار درهم خلال سنة 2024.
هذا الوزن الكبير يضع الموزعين في موقع مؤثر داخل سلسلة القيمة، ويجعلهم فاعلاً أساسياً في تحديد الكلفة النهائية التي يتحملها المنعش العقاري والمستهلك.
من هنا تبرز أهمية توصية المجلس بتشجيع استعمال الإسمنت غير المعبأ (Vrac)، لما قد يحمله من إمكانية تقليص بعض التكاليف اللوجستية وتحسين شفافية التوزيع.
يعكس رأي مجلس المنافسة مفارقة لافتة: قطاع يتمتع باستثمارات صناعية مهمة وقدرات إنتاجية مرتفعة، لكنه يعمل في إطار بنية سوق عالية التركّز.
التوصيات المتعلقة بتوسيع الصادرات نحو الأسواق الإفريقية أو دعم الطلب عبر برامج السكن يمكن أن تساهم في تحسين استغلال القدرات المتاحة، غير أن تعزيز شدة المنافسة يظل رهيناً بمدى تخفيف حواجز الدخول وتشجيع الابتكار وتنويع المنتجات.
إن مستقبل سوق الإسمنت في المغرب لن يتحدد فقط بحجم الطاقة الإنتاجية، بل بقدرتها على تطوير توازن مستدام بين الاستقرار الصناعي وفعالية المنافسة بما يخدم الاقتصاد الوطني والمستهلك على حد سواء.
