بينما تتابع الأوساط السياسية والاقتصادية في الرباط المصادقة على حزمة قروض خارجية بقيمة 665 مليون أورو، يطفو إلى السطح نقاش بنيوي يتجاوز الأرقام الرسمية: كيف تُموَّل الدولة الاجتماعية في المغرب، وما حدود الاعتماد على التمويل الخارجي في تنزيل إصلاحات اجتماعية ومناخية طويلة الأمد؟
الحزمة، التي صودق عليها في إطار تنفيذ قانون مالية 2025 وتحمل توقيع رئيس الحكومة عزيز أخنوش بتأشير من وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح والوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، تستهدف تمويل برامج في مجالات المناخ، والحماية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتمويل الجماعات الترابية، وجودة الموارد المائية.
الجزء الأكبر من التمويل يأتي من البنك التنموي الألماني KfW، في إطار دعم الاستثمار الأخضر والسياسات الاجتماعية ومشاريع التنقل الحضري المستدام.
كما صادق المغرب على قرض إضافي من البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية لدعم التزامات المناخ، بما يعكس توجهاً نحو تنويع الشركاء وتوسيع اللجوء إلى التمويل متعدد الأطراف.
من منظور اقتصادي مقارن، لا يُعد اللجوء إلى القروض الخارجية خياراً استثنائياً بالنسبة للاقتصادات الصاعدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتمويل تحولات هيكلية مكلفة زمنياً ومالياً، مثل تعميم الحماية الاجتماعية أو الانتقال الطاقي.
غير أن طبيعة هذه البرامج التي يغلب عليها الطابع الإصلاحي والمؤسساتي
تطرح سؤالاً مشروعاً حول العلاقة بين كلفة التمويل والعائد الاقتصادي المباشر.
فهذه القطاعات لا تولد إيرادات فورية للخزينة، بل تراهن على تحسين الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي والبيئي على المدى المتوسط والبعيد.
يأتي ذلك في سياق يعرف فيه الدين العمومي مستويات أعلى مقارنة بفترة ما قبل جائحة كوفيد-19، نتيجة توسع الإنفاق الاجتماعي وبرامج الدعم وتداعيات الظرفية الدولية.
ورغم أن مؤشرات الاستدامة المالية تظل ضمن نطاق يعتبر قابلاً للتدبير وفق تقارير المؤسسات المالية الدولية، فإن بند خدمة الدين بات يحتل حيزاً متنامياً في الميزانية، ما يفرض مقاربة دقيقة في توسيع الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
عنصر آخر بالغ الأهمية يتعلق بعملة الاقتراض.
فالقروض المقومة بالأورو أو بعملات أجنبية أخرى تظل مرتبطة بتقلبات أسعار الصرف وتغيرات السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة.
وفي حال ارتفاع أسعار الفائدة العالمية أو تغير شروط التمويل، قد ترتفع الكلفة الإجمالية للدين، خصوصاً إذا لم تُواكبها زيادة في الإيرادات بالعملة الصعبة.
من هنا يرتبط نجاح هذا الخيار بقدرة الاقتصاد المغربي على تعزيز صادراته، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على تدفقات العملة الأجنبية بما يضمن توازناً مستداماً بين الالتزامات الخارجية والموارد المتاحة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذه القروض قد تمثل رافعة مهمة إذا تم توظيفها بكفاءة، سواء في تسريع التحول الطاقي، أو تحسين البنية التحتية الاجتماعية، أو رفع تنافسية الاقتصاد.
الحسم في جدواها لا يرتبط بمصدر التمويل بقدر ما يرتبط بجودة توظيفه، وشفافية تنفيذه، وقدرته على توليد قيمة مضافة حقيقية.
الدولة الاجتماعية، بوصفها خياراً استراتيجياً، تحتاج إلى قاعدة تمويلية متينة تقوم على مزيج من إصلاح النظام الضريبي، وتحسين مردودية الإنفاق العمومي، وتعزيز النمو الاقتصادي، إلى جانب تعبئة موارد دولية بشروط مناسبة.
التمويل الخارجي قد يشكل أداة انتقالية فعالة، لكنه لا يغني عن ضرورة توسيع القاعدة الجبائية وتعزيز الاقتصاد المنتج للقيمة.
السؤال الجوهري لا يتعلق بقبول أو رفض القروض، بل بكيفية إدارتها ضمن رؤية مالية متماسكة: هل ستتحول هذه الحزمة إلى رافعة مرحلية لبناء دولة اجتماعية أكثر صلابة واستدامة، أم ستظل أداة تمويل ظرفية تتطلب توسعاً دائماً في الاقتراض؟ الإجابة ستتحدد بمدى قدرة الاقتصاد المغربي على تحويل التزامات اليوم إلى عوائد تنموية ملموسة في السنوات المقبلة.
