لم تكن عودة المحامين إلى ردهات المحاكم الأسبوع المقبل مجرد استئناف لعمل مهني اعتيادي، بل لحظة سياسية ومؤسساتية كاشفة في مسار مشروع القانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
فقد أبرزت الأزمة أن هذا الملف تجاوز حدوده التقنية ليصبح اختباراً لقدرة الحكومة على التوفيق بين متطلبات الإصلاح وضمان استمرارية المرفق القضائي.
تدخل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عبر تجميد إحالة المشروع وفتح باب الحوار من خلال لجنة مشتركة، لم يكن مجرد إجراء تنسيقي داخل الجهاز التنفيذي، بل خطوة سياسية هدفت إلى احتواء توتر مهني بلغ مستوى أثّر بشكل مباشر على سير المحاكم.
ففي ظل شلل عدد من الجلسات وتأجيل ملفات المتقاضين، تحوّل النقاش من خلاف حول صياغة مواد قانونية إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية تدبير الإصلاحات ذات الحساسية المهنية العالية.
خلال الأشهر الماضية، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، عن مشروع القانون باعتباره مساراً مؤسساتياً طبيعياً يمر عبر البرلمان، مؤكداً أن السلطة التشريعية هي الفضاء الدستوري لمناقشة التعديلات المقترحة.
غير أن تطور الأزمة أظهر أن الإصلاح في قطاعات منظمة وذات امتداد مهني واسع لا يمكن أن يُختزل في المسار التشريعي فقط، بل يحتاج إلى بناء توافقات موازية تحفظ استقرار المنظومة.
القرار بتجميد المشروع أعاد ترتيب الأولويات: استعادة السير العادي للمحاكم أولاً، ثم مواصلة النقاش حول مضامين الإصلاح.
وهو ما يمكن قراءته باعتباره تغليباً لمنطق الاستقرار المؤسسي على منطق الحسم التشريعي السريع.
غير أن هذا المسار يطرح في المقابل سؤالاً مشروعاً حول حدود المبادرة الوزارية داخل الحكومة، وحول طبيعة العلاقة بين رئاسة الحكومة والقطاعات الوزارية في الملفات الحساسة.
كما يعيد هذا التطور طرح إشكالية أعمق ترتبط بكيفية تنزيل مبدأ فصل السلط والتعاون بينها كما نص عليه دستور 2011.
فصناعة التشريع لا تقوم فقط على توازن عددي داخل البرلمان، بل على تفاعل معقد بين السلطة التنفيذية والمؤسسة التشريعية والفاعلين المهنيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاعات تمسّ مباشرة جوهر العدالة وضمانات المحاكمة العادلة. وفي هذا السياق، يصبح الحوار المسبق أداة سياسية لتفادي تعثر المسار التشريعي لاحقاً.
الأزمة كشفت كذلك عن قوة المهن المنظمة في التأثير على إيقاع الإصلاح، خاصة عندما يتحول الخلاف إلى واقع ميداني يمسّ المرفق العام.
ففي مثل هذه الحالات، يصبح التوازن بين الشرعية الدستورية للتشريع والشرعية المهنية للمطالبة بالتشاور عاملاً حاسماً في تحديد المسار النهائي لأي مشروع قانون.
ورغم أن تشكيل لجنة مشتركة يفتح أفقاً لحوار أوسع، فإن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة هذا الإطار على إنتاج صيغة قانونية تجمع بين متطلبات تحديث المنظومة القضائية وضمان استقلالية المهنة.
فالإصلاح، في قطاع العدالة تحديداً، لا يقاس فقط بمدى صرامة النصوص، بل بمدى قبولها من الفاعلين الأساسيين في المنظومة، وبمدى انسجامها مع المعايير الدستورية التي تؤطر استقلال السلطة القضائية وأدوار الدفاع.
لا يمكن اختزال ما حدث في انتصار طرف على آخر، بقدر ما هو إعادة ضبط لإيقاع الإصلاح في لحظة توتر مؤسساتي.
تدخل رئاسة الحكومة أعاد الملف إلى مربع التوافق، لكنه في الوقت نفسه أعاد طرح سؤال أعمق: هل أصبح نجاح أي إصلاح تشريعي رهيناً بالتشاور المسبق مع القوى المهنية، أم أن الدولة قادرة على فرض إيقاعها التشريعي متى رأت ضرورة لذلك؟
ما بين الحفاظ على استقرار المرفق القضائي والسعي إلى تحديث بنيته القانونية، تبدو الحكومة أمام اختبار دقيق في إدارة التوازنات.
والنتيجة النهائية لن تتحدد بقرار التجميد ذاته، بل بمدى قدرة الحوار الجاري على إنتاج إصلاح متماسك يحقق النجاعة دون المساس بجوهر الاستقلال المهني، وفي احترام تام لمبادئ الحكامة الدستورية التي تشكل الإطار المرجعي لأي إصلاح مستدام.
