كشفت جريدة “الأخبار”، استناداً إلى معطيات وتقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات والخزينة العامة للمملكة، أنه بينما تئن ميزانيات الجماعات الترابية بالمغرب تحت وطأة العجز، يبرز رقم ثقيل قوامه 48.5 مليار درهم من المبالغ غير المستخلصة في ذمة الملزمين.
هذا الرقم الصادم لا يمكن اعتباره مجرد “تعثر مالي” عابر، بل مؤشراً مقلقاً على منظومة تدبيرية تعاني من بطء في الفعالية وتداخل في الاختصاصات، حيث يتحول “التحصيل الجبائي” في أحيان كثيرة إلى ملف مؤجل بدل أن يكون أولوية مالية وتنموية.
الأرقام ترسم منحنى تصاعدياً واضحاً؛ فقد انتقل حجم “الباقي استخلاصه” من 43.32 مليار درهم سنة 2021 إلى 48.52 مليار درهم سنة 2023، بمعدل نمو سنوي بلغ 11.28 في المائة.
والأكثر دلالة أن حوالي 16.8 مليار درهم من هذه الديون، أي ما يقارب 35 في المائة، يعود إلى ما قبل سنة 2013، ما يعني أننا أمام ديون متقادمة تراجعت قيمتها بمرور الزمن وربما تعقّدت مساطرها الإدارية، في وقت كان يفترض أن تتحول هذه المليارات إلى طرق ومدارس ومراكز صحية ومشاريع قريبة من المواطن.
من أبرز الثغرات التي تطرح تساؤلات حول نجاعة الحكامة المالية ملف الأراضي الحضرية غير المبنية؛ إذ توجد عقارات حصل أصحابها على رخص بناء منذ ما قبل 2007 دون الشروع في التشييد، ومع ذلك تظل خارج دائرة التحصيل في حالات متعددة.
هذا الوضع، سواء كان ناتجاً عن غموض قانوني في بعض المقتضيات (كما في التعديلات المرتبطة بالقانون 07.20) أو عن اعتبارات إدارية محلية، يحرم الجماعات من موارد مهمة ويترك المجال واسعاً أمام المضاربات العقارية على حساب وتيرة التنمية.
أما التدابير التي تم اعتمادها خلال السنوات الماضية، من قبيل رفع الحد الأدنى لبعض الرسوم من 100 إلى 200 درهم أو حملات الإعفاء من الغرامات والزيادات خلال سنتي 2018 و2021، فقد بدت في نظر عدد من المتتبعين حلولاً ظرفية أكثر منها معالجة جذرية.
صحيح أنها أسهمت في تحقيق زيادة استثنائية في التحصيل قُدّرت بحوالي 2.6 مليار درهم في إحدى السنوات، غير أنها لم تنجح في كبح المنحى البنيوي للتراكم، ما يدل على أن الإشكال لا يرتبط فقط بصغار المدينين، بل بملفات كبرى ومعقدة تتطلب تعزيز آليات المراقبة الجبائية وتنسيقاً مؤسساتياً أكثر صرامة ووضوحاً في التطبيق.
في المحصلة، فإن 48 مليار درهم ليست مجرد أرقام في تقارير سنوية، بل فرص تنموية معلّقة ومشاريع مؤجلة.
فكل درهم لا يدخل خزينة الجماعة يمثل خدمة عمومية ناقصة أو مرفقاً لم يُنجز.
استمرار هذا النزيف المالي يعكس مفارقة واضحة: غنى محاسباتي على الورق مقابل محدودية في المردودية الميدانية.
ومن ثمّ، يظل التحدي الحقيقي في الانتقال من الاعتماد الكبير على دعم الميزانية المركزية إلى تفعيل آليات الاستخلاص الفعلي وتنقية الجداول من الديون غير القابلة للتحصيل، بما يعيد التوازن لمالية الجماعات ويقوّي ثقة المواطن في تدبير الشأن المحلي.
