كشف التقرير الأخير لـ المجلس الأعلى للحسابات (2024/2025) عن معطيات دقيقة أعادت فتح النقاش حول منظومة الدعم العمومي في المغرب؛ فحين نتحدث عن 7 مليارات درهم في سنتين، فنحن أمام اعتمادات مالية ضخمة يفترض أن تترجم إلى أثر اجتماعي وتنموي ملموس.
غير أن التقرير أشار إلى أن توسع حجم التمويل لم يواكبه تطور موازٍ في الإطار القانوني وآليات التتبع وقياس النتائج، ما يجعل سؤال النجاعة مطروحاً بقوة.
لقد وضع التقرير يده على إشكال جوهري حين كشف أن 1.57 مليار درهم خُصصت لجمعيات يفتقر جزء منها إلى مقومات الحكامة المالية والتنظيمية الكافية.
وهنا يبرز التساؤل المشروع: هل تؤدي بعض الهياكل دورها التنموي بالكفاءة المطلوبة؟ فحين يتأخر صدور إطار قانوني موحد، وتغيب مؤشرات دقيقة لقياس الأثر، يصبح تقييم المردودية أمراً معقداً.
ودعم قطاع التعليم بـ 529 مليون درهم، أو الفلاحة بـ 506 ملايين درهم، أرقام مهمة بلا شك، لكن التحدي الحقيقي يكمن في قياس أثرها الفعلي على الحد من الهدر المدرسي وتحسين أوضاع الفلاحين الصغار، بعيداً عن المقاربات الشكلية.
أما الملف الأكثر حساسية فيتعلق بميزانية مؤسسات الأعمال الاجتماعية التي بلغت 3.56 مليارات درهم خلال سنتين.
وقد أشار التقرير إلى تفاوت واضح في قواعد التدبير والرقابة بين هذه المؤسسات، في ظل غياب إطار وطني موحد يؤطر تدخلاتها. واستحواذ قطاعات الداخلية والتعليم والصحة على 67% من مجموع الدعم يرتبط بالوزن العددي لموظفيها، غير أن ذلك يفتح نقاشاً حول معايير التوزيع وضمان العدالة في الاستفادة بين مختلف الفئات.
كما لفت التقرير الانتباه إلى أهمية الموارد العينية، من عقارات وموارد بشرية، التي توضع رهن إشارة هذه المؤسسات، ما يعزز الحاجة إلى نظام تنسيق وطني واضح يضمن الانسجام مع باقي البرامج الاجتماعية ويمنع التداخل. فغياب منظومة موحدة للقيادة والتقييم يحدّ من القدرة على قياس الأثر الحقيقي لهذه الخدمات، ويجعل التفاوت في جودتها بين جهة وأخرى أمراً وارداً.
إن استمرار ضخ اعتمادات مالية مهمة في منظومة تعاني من نقائص تنظيمية يفرض الانتقال من منطق الصرف إلى منطق النتائج.
والتقرير لم يأتِ للتشكيك في أهمية الدعم، بل للتنبيه إلى ضرورة ربطه بمؤشرات أداء واضحة، واعتماد برامج تعاقدية تحدد الأهداف والمخرجات المنتظرة، مع تعزيز الشفافية والمحاسبة المؤسساتية.
الرهان اليوم لا يتعلق بحجم الأرقام، بل بقدرة الحكومة على إصلاح الإطار القانوني، وتوحيد قواعد الحكامة، وضمان أن تتحول هذه المليارات فعلياً إلى قيمة اجتماعية مضافة، لا إلى مجرد اعتمادات تُدرج في الجداول المالية دون أثر قابل للقياس.
