لم تعد التساقطات المطرية في مرتفعات إقليم تاونات مجرد غيث موسمي منتظر، بل تحولت إلى موجة مناخية قوية كشفت محدودية البنيات التحتية في مجال جبلي معقد، ووضعت آلاف الأسر أمام وضع إنساني صعب في ظرف زمني وجيز.
ما شهده الإقليم من أمطار قياسية وانجرافات تربة لم يخلف فقط مسالك مقطوعة، بل أبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة لمنطق التدبير القائم على الاستجابة الظرفية بدل الاستثمار الوقائي طويل الأمد.
فعندما تتحول القرى إلى مناطق معزولة، وتتضرر الطرق وتتوقف الأنشطة الفلاحية، يصبح من الضروري الانتقال من التبرير الجغرافي إلى التخطيط البنيوي المستدام.
المعاينات الميدانية المتطابقة تشير إلى أننا أمام واقعة تستوفي الشروط القانونية لتصنيفها “كارثة طبيعية” وفق المادة الثالثة من القانون رقم 110.14 المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية. فالعنصر الأول، المرتبط بوجود سبب طبيعي حاسم، متحقق بالنظر إلى حدة التساقطات والانهيارات الأرضية.
أما العنصر الثاني، المتعلق بعجز التدابير الاعتيادية عن احتواء الآثار، فقد ظهر من خلال تعطل بعض الخدمات الأساسية وصعوبة الولوج إلى عدد من الدواوير المتضررة، إضافة إلى محدودية الوسائل المحلية في مواجهة حجم الأضرار.
انطلاقاً من ذلك، فإن الاعتراف الرسمي بإقليم تاونات منطقة منكوبة لا يندرج في إطار قرار إداري عادي، بل يمثل آلية قانونية أساسية لتفعيل منظومة التعويض والدعم الاستعجالي، وتمكين الساكنة من الولوج إلى برامج إعادة الإعمار الوطنية.
وبدون هذا الاعتراف، ستظل التدخلات محصورة في إجراءات آنية لا تعكس حجم الخسائر التي طالت المساكن والأنشطة الزراعية والبنيات الطرقية.
يأتي هذا الوضع أيضاً في سياق التزامات المغرب الدولية في مجال الحد من مخاطر الكوارث، وعلى رأسها إطار “سينداي” (2015-2030)، الذي يدعو إلى تعزيز فهم المخاطر، وتقوية الحكامة الوقائية، والاستثمار في الصمود، وإعادة البناء بشكل أفضل. غير أن تكرار الأضرار في المناطق الجبلية يطرح تساؤلاً حول مدى تقدم المقاربة الاستباقية مقارنة بمنطق التدخل بعد وقوع الضرر، خاصة في المجالات التي تعرف هشاشة بنيوية مزمنة.
اليوم، تبدو الأولويات واضحة: إجراء تقييم ميداني شامل ودقيق لحجم الخسائر، إشراك الفاعلين المحليين في تحديد الحاجيات، اعتماد مساطر تعويض شفافة وسريعة، وتقديم دعم مباشر للأسر والفلاحين المتضررين.
غير أن التحدي الأعمق يتجاوز البعد المالي، ليطال فلسفة التهيئة الترابية والاستثمار في الوقاية والبنيات المقاومة للمخاطر.
تاونات تقف اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تُدرج أزمتها ضمن معالجة مؤقتة تنتهي بانتهاء الموسم المطير، أو أن تتحول إلى منطلق لإعادة نظر شاملة في سياسات تدبير المخاطر بالمناطق الجبلية، بما يضمن مقاربة أكثر عدلاً واستدامة، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات على أساس من الإنصاف القانوني والتضامن الوطني.
