في الوقت الذي دعا فيه مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، إلى تجاوز منطق الاعتماد شبه الكلي على الدعم العمومي والانفتاح على “التمويلات البديلة” لتعزيز استقلالية جمعيات المجتمع المدني، يبرز نقاش موازٍ يتعلق ببنية هذا الدعم ذاته: كيف تُصرف فعلياً أكثر من خمسة مليارات درهم سنوياً؟ وهل تخضع هذه الاعتمادات لمنظومة شفافة تتيح تتبع مسارها وتقييم أثرها؟
تصريحات بايتاس جاءت اليوم السبت خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الوطني السادس للجمعيات المنعقد بمدينة الرشيدية، في إطار سلسلة المنتديات الجهوية التي تنظمها الوزارة ضمن تنفيذ استراتيجية “نسيج 2022-2026” الرامية إلى تقوية القدرات التنظيمية والمؤسساتية للنسيج الجمعوي وتعزيز استقلاليته المالية.
وخلال كلمته، أقر المسؤول الحكومي بوجود “إكراهات بنيوية” تعترض استدامة أداء عدد من الجمعيات، خاصة ما يرتبط بتمويل البرامج والمشاريع، مؤكداً أن معدل الدعم العمومي السنوي الموجه للجمعيات يتجاوز خمسة مليارات درهم وفق تقارير الشراكة بين الدولة والجمعيات.
غير أن هذا الرقم، رغم أهميته، يظل معطىً إجمالياً لا يكشف عن تفاصيل توزيع الاعتمادات بين القطاعات والمجالات الترابية، ولا عن هوية المستفيدين وحجم المبالغ المخصصة لكل مشروع.
فالدعم العمومي لا يصدر عن جهة واحدة، بل يتوزع بين قطاعات وزارية متعددة، ومؤسسات عمومية، وجهات، وعمالات، وجماعات ترابية، إضافة إلى برامج وطنية كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
هذا التعدد يعكس انخراطاً مؤسساتياً واسعاً، لكنه في المقابل يجعل المعطيات متفرقة ويصعب تكوين صورة وطنية دقيقة حول خريطة الدعم.
غياب منصة وطنية موحدة يطرح إشكال تكافؤ الولوج إلى المعلومة، إذ إن نشر المعطيات بشكل متفرق بين مواقع قطاعات مختلفة لا يسمح بتحليل مقارن أو تقييم شامل للعدالة المجالية في توزيع الدعم.
كما لا تُنشر بشكل منهجي مؤشرات قياس الأثر الاجتماعي للمشاريع الممولة، ما يجعل من الصعب ربط التمويل بنتائج ملموسة.
ولا توجد آلية واضحة تمكن من تتبع تكرار استفادة بعض الجمعيات مقارنة بغيرها، خاصة في ظل اختلاف معايير الانتقاء بين القطاعات، في حين يظل سؤال العدالة الترابية مطروحاً في غياب معطيات مجمعة حول نسبة الدعم الموجه للمناطق القروية أو الهشة.
ورغم الحديث المتكرر عن الرقمنة والتحول الرقمي، لا يزال تتبع الدعم العمومي يتم في جزء مهم منه عبر مساطر غير مدمجة ضمن قاعدة بيانات وطنية مفتوحة.
صحيح أن بعض القطاعات والجماعات الترابية تنشر لوائح المستفيدين، غير أن هذه الممارسات تبقى غير موحدة من حيث الصيغة والتفاصيل، وغالباً ما تكون صعبة التجميع والتحليل.
ينص الفصل 27 من الدستور على الحق في الحصول على المعلومات، ويُفعّل القانون رقم 31.13 هذا المبدأ، غير أن منطق الطلب يختلف عن منطق النشر الاستباقي المنظم، خاصة حين يتعلق الأمر بتمويل عمومي موجه لفاعلين مدنيين يُفترض أنهم شركاء في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية.
وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات، في تقاريره السنوية، أن سجل ملاحظات بشأن بعض جوانب تدبير دعم الجمعيات، من بينها تفاوت في معايير الانتقاء، وضعف تتبع تنفيذ الاتفاقيات، وغياب مؤشرات دقيقة لقياس الأثر الاجتماعي لعدد من المشاريع.
وهي ملاحظات تعزز الحاجة إلى تطوير آليات الحكامة وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس.
في المقابل، شدد بايتاس على أن الرهان لم يعد فقط في حجم الدعم العمومي، بل في تنويع مصادره وضمان استدامته، مشيراً إلى إنجاز دراسة بشراكة مع الاتحاد الأوروبي حول التمويلات البديلة، مدعومة بمقارنة دولية شملت تجارب كندا وفرنسا وكينيا، إضافة إلى استحضار القانون رقم 15.18 المتعلق بالتمويل التعاوني وإحداث منصات رقمية معتمدة لتمويل المشاريع خارج الإطار التقليدي المعتمد أساساً على ميزانية الدولة.
كما عرفت أشغال المنتدى جلسة علمية حول الإطار القانوني للتمويل الرقمي بمشاركة ممثلين عن بنك المغرب وبرامج دعم التمويل الدامج، حيث تم التأكيد على أهمية الضبط والرقابة وتعزيز الثقة في آليات التمويل البديل.
غير أن الانتقال نحو نموذج تمويلي أكثر تنوعاً يظل رهيناً بإعادة ترتيب منظومة الدعم العمومي القائمة، من خلال توحيد معايير الانتقاء، وتعميم تقارير تقييم الأثر، وإحداث منصة وطنية موحدة تتيح معطيات دقيقة ومفتوحة حول صرف الاعتمادات.
فاستقلالية الجمعيات لا تُبنى فقط بتنويع الموارد، بل أيضاً بوضوح القواعد المنظمة للعلاقة المالية بينها وبين الدولة.
في نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش برفض الدعم العمومي أو التشكيك في جدواه، بل بترسيخ هندسة أكثر شفافية وقابلة للتتبع، تجعل من كل درهم مخصص للجمعيات استثماراً اجتماعياً قابلاً للقياس.
وبين الدعوة إلى التمويلات البديلة وحجم الدعم القائم، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق الأرقام الإجمالية إلى منطق المعطيات المفتوحة التي تعزز الثقة وتكرس حكامة فعالة.
