بعد صمت طويل أثار تساؤلات، خرج نزار بركة، وزير التجهيز والماء، ليزف للمغاربة بشرى نهاية “الفترة الصعبة”، في خروج لم يكن ليحدث لولا أن السماء جادت بما لم تستطعه المخططات الحكومية، مما يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كان الوزير يملك الجرأة لنسب هذه “الطفرة المائية” لسياسة وزارته، أم أنها مجرد هبة مناخية أنقذت الحكومة من ضغط المساءلة السياسية.
إن تبرير الوزير لغيابه في ذروة الأزمة بأن المرحلة كانت “للخبراء” يبقى تفسيراً يثير النقاش؛ ففي اللحظات الحرجة، ينتظر الرأي العام حضور المسؤول الأول في قلب العاصفة لطمأنة المواطنين، لا أن يُؤجَّل الخطاب السياسي إلى ما بعد تحسن الأحوال الجوية.
هذا الاحتماء بالمعطى التقني يعكس إشكالاً في تدبير التواصل، حيث شعر كثير من المواطنين أنهم تُركوا لمواجهة القلق والشائعات، بينما كان الخبراء يشتغلون بلغة الأرقام بعيداً عن نبض الشارع.
وبعيداً عن لغة الأرقام المريحة، فإن الجرأة تقتضي أن نسأل: أين هي البنية التحتية التي صمدت أمام هذه التساقطات؟ إن الأمطار التي يُحتفى بها اليوم هي نفسها التي كشفت أعطاباً في بعض الطرق والقناطر، مسلطة الضوء على الفجوة بين نسب ملء السدود وواقع التجهيزات الأساسية في عدد من المناطق.
يتحدث الوزير عن ضمان الماء لسنتين، لكنه يتناسى أن تدبير “الوفرة” لا يقل تعقيداً عن تدبير “الندرة”؛ فالمغرب ما زال يفقد كميات مهمة من المياه بسبب تأخر مشاريع الربط بين الأحواض المائية وضعف بعض قدرات التخزين التي تحتاج إلى تحديث وتسريع.
يبدو أن الحكومة وجدت في هذه الأمطار متنفساً سياسياً، فبعد سنوات من تبرير اختلالات اقتصادية بندرة التساقطات، تحاول اليوم الاستفادة من التحول المناخي الإيجابي لتعزيز سردية النجاح.
غير أن هذه الفيضانات، رغم أثرها المائي الإيجابي، شكلت اختباراً صعباً لنجاعة التدخل الميداني في بعض المناطق النائية التي عانت من العزلة المؤقتة، بينما كان الخطاب الرسمي يترقب استقرار الطقس قبل الانتقال إلى لغة الأرقام المطمئنة.
على نزار بركة أن يدرك أن الاستقرار المائي لا يُبنى فقط على تقلبات المناخ، بل على برامج استعجالية واستباقية تمنع تحول نعمة المطر إلى عبء يكشف هشاشة بعض البنيات.
لقد انتهت “مرحلة الخبراء” يا معالي الوزير، وحان وقت تعميق النقاش حول المسؤولية السياسية في تطوير الجاهزية الترابية، فالسدود الممتلئة قد تستر عطش الأرض، لكنها لا تعفي من مساءلة الحكامة وجودة التدبير العمومي.
