لم تعد المطارات مجرد فضاءات للعبور أو لحظات وداع ولقاء، بل أضحت في السياق الرقمي المعاصر نقاط تماس بين السيادة الترابية والذاكرة الافتراضية للأفراد.
توقيف الناشطة زينب الخروبي فور وصولها إلى مطار المنارة بمراكش قادمة من باريس، وضع الرأي العام أمام لحظة اختبار دقيقة: كيف تُدار العلاقة بين المقاربة الأمنية ومتطلبات الممارسة الديمقراطية في زمن تتداخل فيه الحدود الجغرافية مع الفضاء الرقمي؟
وقد جرى توقيف الخروبي مساء الخميس 12 فبراير بمطار المنارة، حيث أُنجز في حقها محضر أولي قبل أن يُنقل ملفها إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء لاستكمال البحث التمهيدي.
وبعد إخضاعها لتدابير الحراسة النظرية، قرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية عين السبع، يوم الجمعة 13 فبراير 2026، متابعتها في حالة سراح، مع تحديد جلسة 26 فبراير للنظر في التهمة المنسوبة إليها، والمتمثلة في “التحريض على ارتكاب جنح عبر الإنترنت”.
هذه الصيغة القانونية، وإن كانت واردة ضمن المنظومة الجنائية المؤطرة لاستعمال الوسائط الرقمية، تظل بطبيعتها مجالاً للتأويل.
فهي تطرح سؤالاً محورياً حول الحد الفاصل بين التعبير الحاد أو النقد السياسي من جهة، والدعوة الفعلية إلى ارتكاب أفعال يجرمها القانون من جهة أخرى.
ومع توسع استعمال المنصات الرقمية، لم يعد النقاش مقتصراً على مضمون التدوينة أو المنشور، بل امتد إلى فلسفة التجريم ذاتها: متى يتحول الرأي إلى تحريض؟ ومن يحدد معيار الخطورة؟
في السياق المغربي، يكرس الدستور مبدأ حرية التعبير مع ربطه باحترام القانون.
وهنا تتجلى منطقة التماس الحساسة بين منطقين مختلفين: المقاربة الأمنية التي تنطلق من هاجس الوقاية وحماية النظام العام، والممارسة الديمقراطية التي تقوم على توسيع هامش الاختلاف وحماية الحق في النقد، حتى وإن كان صادماً أو مزعجاً.
التحدي لا يكمن في تغليب أحد المنطقين على الآخر، بل في تحقيق توازن دقيق يمنع الانزلاق نحو الإفراط في الزجر أو، في المقابل، التساهل مع دعوات قد تمس بالسلم المجتمعي.
القضية تكتسب بعداً إضافياً لارتباطها بمواطنة مقيمة بالخارج، ما يسلط الضوء على مفهوم “المواطنة الرقمية” العابرة للحدود.
فالمغاربة المقيمون بالخارج يُنظر إليهم باعتبارهم امتداداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً للوطن، غير أن الفضاء الرقمي يجعلهم، في الوقت نفسه، خاضعين للقانون الوطني متى تعلق الأمر بأفعال قد تُرتب مسؤولية جنائية.
هذه المعادلة المركبة تفرض وضوحاً أكبر في التأويل القانوني وفي التواصل المؤسساتي، حتى لا تتحول المتابعات إلى مصدر لبس أو انطباعات متناقضة.
أما قرار المتابعة في حالة سراح، فيندرج ضمن الآليات القانونية العادية التي تتيح استمرار المسار القضائي مع احترام قرينة البراءة.
غير أن أهميته تتجاوز الإجراء ذاته، إذ ينقل النقاش من مستوى الجدل الحقوقي إلى فضاء المحكمة، حيث يُفترض أن تُحسم المسألة وفق ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال السلطة القضائية.
الاختبار الحقيقي لا يكمن في لحظة التوقيف بحد ذاتها، بل في مسار المحاكمة وما ستؤول إليه. فجلسة 26 فبراير لن تكون مجرد محطة إجرائية في ملف فردي، بل لحظة عملية لقياس كيفية تنزيل التوازن بين حماية النظام العام وصون حرية التعبير في قضية ملموسة.
هناك فقط تتحدد ملامح الدرس الذي يمكن استخلاصه من واقعة مطار المنارة، باعتبارها علامة على التحولات العميقة التي يعرفها تدبير المجال الرقمي في زمن تتداخل فيه الحدود بين الواقعي والافتراضي.
