لم تعد الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي ضربت المغرب مؤخراً مجرد “غضبة طبيعة”، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى نجاعة تدبير الشأن العام في لحظات الأزمات.
فحين تسارع الحكومة إلى إعلان غلاف مالي بقيمة 3 مليارات درهم وتصنيف مناطق “الغرب واللوكوس” كأقاليم منكوبة، مقابل عدم إدراج أقاليم جبلية أخرى ضمن اللائحة نفسها، فإن النقاش لا يتعلق بخطأ تقني عابر، بل يثير تساؤلات مشروعة حول معايير ترتيب الأولويات المجالية في مواجهة الكوارث.
إن الإعلان عن 3 مليارات درهم دون نشر تفصيل تقني دقيق حول منهجية احتساب هذا المبلغ يطرح سؤال الشفافية. فالمواطن في شفشاون أو تازة أو تاونات أو الحسيمة من حقه أن يتساءل: كيف تم تحديد هذا السقف؟ وهل يستند إلى جرد ميداني شامل لحجم الأضرار التي لحقت بالمساكن والمسالك القروية، أم أنه تقدير أولي قابل للتحيين وفق تطور المعطيات؟ إن غياب نشر معطيات مفصلة بالأرقام والنسب حول كلفة الخسائر في كل إقليم يجعل الحاجة إلى توضيح رسمي أكثر إلحاحاً، حفاظاً على الثقة في معايير الاستحقاق.
كما أن عدم إدراج بعض الأقاليم الجبلية التي شهدت انهيارات وعزلة لعدد من القرى يطرح تساؤلاً حول الأسس المعتمدة لتحديد “المنطقة المنكوبة”.
هل هناك عتبة رقمية واضحة لحجم الخسائر؟ هل يرتبط القرار بنسبة الأضرار مقارنة بالقدرات المحلية؟ أم أن التقييم ما يزال في طور الاستكمال؟ إن توضيح هذه المعايير كفيل بتبديد أي انطباع بوجود تفاوت غير مبرر في التعاطي مع الجغرافيا الوطنية.
هذا الوضع يضع “صندوق مكافحة الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية” تحت دائرة الاهتمام العمومي.
فهذا الصندوق ليس إجراءً استثنائياً عابراً، بل آلية تضامنية يساهم فيها المواطنون بشكل غير مباشر عبر رسم تضامني يُقتطع من بعض عقود التأمين. ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل حول رصيده الحالي، وآليات تفعيله، والمعايير المعتمدة لصرف موارده عند إعلان حالة كارثة.
هل توجد مؤشرات كمية محددة تُفعَّل تلقائياً؟ أم أن الأمر يخضع لتقديرات إدارية تحتاج إلى نشر منهجيتها للرأي العام؟
إن المساءلة البرلمانية التي قادتها أصوات مثل فاطمة التامني بشأن استثناء بعض المناطق تنقل النقاش إلى مستوى مؤسساتي يتعلق بالعدالة المجالية.
فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في رصد الاعتمادات، بل في ضمان وضوح المعايير وتكافؤ الولوج إلى الدعم.
ولا يمكن أن يظل الصندوق محاطاً بضبابية في المعطيات، بل ينبغي أن يتحول إلى أداة تضامن وطني شفافة، تلتزم بمبدأ “إعادة البناء على نحو أفضل”، وتعزز الوقاية والبنيات التحتية في المناطق الهشة قبل وقوع الكوارث.
جبر الضرر لا يعني فقط ترميم الطرق، بل يعني أيضاً ترسيخ الثقة في القرار العمومي.
المواطن المغربي لا ينتظر دعماً ظرفياً فحسب، بل ينتظر نظاماً تضامنياً واضح القواعد يضمن الإنصاف بين مختلف الجهات.
فالعدالة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم المبالغ المرصودة، بل بوضوح المعايير التي تضمن ألا يشعر أي مواطن بأن موقعه الجغرافي يؤثر على حظه في الحماية والتعويض.
