منذ سنوات، تُقدَّم إصلاحات التكوين الطبي بالمغرب باعتبارها خياراً استراتيجياً يندرج ضمن بناء السيادة الصحية وتعزيز قدرة المنظومة الوطنية على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
غير أن المعطيات التي كشفت عنها جريدة الصباح، استناداً إلى شهادات ومكالمات هاتفية مع طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان، تكشف عن فجوة مقلقة بين الخطاب الإصلاحي والواقع الميداني، وتُظهر أن منطق الرفع العددي سبق بكثير الاستثمار الحقيقي في جودة التكوين.
ففي الوقت الذي نجحت فيه الدولة في توسيع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب ورفع أعداد المسجلين، ظل التكوين السريري والميداني خاضعاً لإكراهات بنيوية عميقة، على رأسها محدودية فضاءات التدريب داخل المستشفيات والمراكز الصحية العمومية.
وهو اختلال لا يمكن تجاوزه بلغة الأرقام أو بإعادة ترتيب المسارات النظرية، لأنه يمس جوهر التكوين الطبي القائم على الاحتكاك المباشر بالممارسة السريرية واكتساب الكفاءة في بيئة علاج حقيقية.
وبحسب ما أفاد به الطلبة في اتصالاتهم بجريدة الصباح، فإن ولوج التداريب الميدانية خارج المستشفيات الجامعية أصبح يتم وفق نظام انتقائي صارم، يعتمد أساساً على النقاط المحصّلة في الامتحانات، مع اعتماد “لوائح انتظار” تُقصي عملياً أعداداً مهمة من الطلبة.
هذا المنطق يحوّل التكوين السريري من حق بيداغوجي أساسي إلى امتياز محدود، تحكمه القدرة الاستيعابية لا حاجيات التكوين، ويضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص داخل منظومة يُفترض أنها تُعدّ مهنيي صحة لمستقبل البلاد.
ولا يقتصر أثر هذا الخلل على المسار الجامعي للطلبة، بل يمتد ليطال جودة التكوين ذاتها. فاختلاف فرص التدريب الميداني بين الطلبة يفرز مسارات غير متكافئة، ويضع علامات استفهام جدية حول الجاهزية المهنية لخريجين يفترض أنهم سيلتحقون مباشرة بمنظومة صحية تعاني أصلاً من خصاص حاد في الموارد البشرية، خاصة في مجالات حيوية كطب الأسرة والخدمات الصحية الأساسية.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار المجهودات الحكومية المبذولة في ملف التعويضات، خصوصاً رفعها إلى 2400 درهم لفائدة طلبة السنة السادسة، وهو إجراء استجاب لمطالب اجتماعية مشروعة.
غير أن هذا المكسب، على أهميته، يظل حلاً جزئياً لا يلامس لبّ الأزمة.
فالتعويض المالي لا يعوّض غياب فضاءات التدريب، ولا يُصلح خللاً بيداغوجياً مرتبطاً بالبنية التحتية وخيارات التخطيط، أكثر مما هو مرتبط بالدعم المادي.
الأخطر في هذا المسار، هو أثره الصامت على هجرة الكفاءات الطبية.
فالدولة تستثمر موارد عمومية كبيرة في تكوين الأطباء، لكنها في المقابل لا توفر شروط تكوين سريري متكامل ومحفّز.
ومع تراكم الإقصاء غير المعلن عبر منطق الانتقاء ولوائح الانتظار، تتشكل لدى عدد متزايد من الطلبة قناعة بأن آفاق الاعتراف المهني والاستقرار الوظيفي قد تكون أوسع خارج الحدود.
وهكذا تتحول المنظومة الوطنية، دون إعلان صريح، إلى مرحلة عبور لكفاءات طبية تكوّنت محلياً لتستفيد منها أنظمة صحية أجنبية أكثر جاهزية ووضوحاً في مساراتها المهنية.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في الرفع من عدد الخريجين، ولا في تقليص أو إعادة هيكلة سنوات التكوين، بل في ضمان جودة المسار التكويني من بدايته إلى نهايته.
فبدون توسيع فعلي ومستعجل للبنية التحتية الاستشفائية المؤهلة للتكوين، وبدون رؤية واضحة لتوزيع عادل وناجع للتداريب السريرية، ستظل السياسات المعتمدة مجرد تدبير مؤقت للأزمة، لا معالجة جذرية لها.
وعليه، لم يعد تكوين الأطباء مسألة تقنية أو بيداغوجية معزولة، بل خياراً سيادياً بامتياز.
فإما أن يُدار باعتباره استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في صحة المواطنين واستقرار المنظومة الصحية الوطنية، وإما أن يستمر التعامل معه بمنطق الترقيع، بما يفضي عملياً إلى تصدير مجاني للأدمغة الطبية نحو الخارج، على حساب حاجيات داخلية متزايدة وكلفة وطنية باهظة.
