يقف المغرب اليوم أمام قراءة رقمية دقيقة رسمتها المندوبية السامية للتخطيط في أحدث تقاريرها حول التحولات الديموغرافية والواقع الاجتماعي-الاقتصادي.
قراءة تُظهر تقدماً ملموساً في بعض المؤشرات، لكنها تكشف في المقابل عن هشاشة كامنة تهدد استدامة هذا التحسن.
فعلى مستوى الفقر متعدد الأبعاد، تراجع المعدل من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، وهو تطور يعكس تحسناً في الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
غير أن خلف هذا المنحى الإيجابي تقف حقيقة أكثر تعقيداً: نحو ثلاثة ملايين مغربي يعيشون في وضعية هشاشة تجعلهم عرضة للانزلاق إلى الفقر عند أي صدمة اقتصادية أو اجتماعية.
وتزداد الصورة وضوحاً حين نعلم أن 82% من هؤلاء يوجدون في الوسط القروي، وأن خمس جهات فقط تحتضن ما يقارب 60% من حالات الهشاشة، بما يعكس استمرار التفاوتات المجالية رغم مسار الجهوية المتقدمة.
التحليل الاقتصادي يبرز كذلك مفارقة لافتة.
فبين 2019 و2022 ارتفعت الدخول بالقيمة الاسمية، غير أن النمو الحقيقي ظل محدوداً بفعل الضغوط التضخمية واضطرابات سلاسل الإمداد عقب الجائحة.
بمعنى آخر، لم يواكب التحسن العددي في المداخيل تحسنٌ مكافئ في القدرة الشرائية، ما جعل جزءاً من المكاسب يُمتص بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية.
هذه الفجوة بين الأرقام والواقع اليومي تمثل أحد مفاتيح فهم هشاشة الفئات القريبة من خط الفقر.
في قطاع السكن، تظهر دينامية عمرانية واضحة؛ إذ بلغت الحظيرة السكنية سنة 2024 نحو 11.85 مليون وحدة، مع وتيرة بناء تناهز 210 آلاف مسكن سنوياً، و60% من المساكن الحضرية يقل عمرها عن عشرين سنة.
كما تراجعت أشكال السكن غير اللائق، وارتفعت نسب الربط بالكهرباء والماء الصالح للشرب.
غير أن هذه المؤشرات تخفي تحولات اجتماعية موازية، أبرزها تراجع نسبة التملك في الوسط الحضري مقابل ارتفاع الإيجار، وهو ما يعكس ضغوط أسعار العقار وصعوبة الولوج إلى التمويل بالنسبة لفئات واسعة من الأسر، ويحدّ من قدرتها على تكوين أصول طويلة الأمد تعزز استقرارها الاقتصادي.
وتزداد المعادلة تعقيداً في ظل تحولات ديموغرافية متسارعة؛ فمعدل الشيخوخة يرتفع بوتيرة ملحوظة، في وقت ما تزال فيه بطالة الشباب عند مستويات مقلقة. هذا التزامن يضع منظومة الحماية الاجتماعية وسوق الشغل أمام اختبار مزدوج: ضمان إدماج اقتصادي فعلي للشباب، وتأمين كلفة اجتماعية متزايدة مرتبطة بتقدم السكان في السن.
يسجل المغرب تقدماً هيكلياً في بعض مؤشرات التنمية، لكنه لم يبلغ بعد مستوى “المناعة الاجتماعية” الكفيل بتحصين الفئات الهشة من التقلبات الدورية للاقتصاد.
التحدي لم يعد فقط في خفض نسب الفقر، بل في تقليص قابلية الانزلاق نحوه، عبر سياسات توازن بين النمو الاقتصادي وحماية القدرة الشرائية، وتربط الاستثمار المجالي بخلق فرص عمل مستدامة، وتمنح للأسر أدوات ادخارية وتمويلية تعزز استقلالها.
ثلاثة ملايين مغربي يقفون اليوم على حافة الهشاشة.
مستقبلهم لن تحدده الأرقام وحدها، بل قدرة السياسات العمومية على تحويل التحسن الإحصائي إلى صمود اجتماعي حقيقي، يجعل أي صدمة اقتصادية اختباراً يمكن تجاوزه، لا منعطفاً يعيد البلاد إلى نقطة البداية.
