لم يعد تراجع الحكومة اليوم عن مشروع المرسوم بقانون رقم 2.26.135 مجرد تصحيح مسار إداري عابر، بل مؤشر قوي على تعثر المقاربة السياسية في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الديمقراطي المغربي.
الوزير محمد المهدي بنسعيد، الذي قدّم نفسه كوجه للتحديث داخل الحكومة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب في تدبير ملف التنظيم الذاتي، حيث طغى منطق “إدارة الأزمة” على منطق “بناء المؤسسة”.
فقد بدا أن التنظيم الذاتي للمهنة انتقل من كونه حقاً ديمقراطياً أصيلاً إلى آلية انتقالية تُدبَّر عبر لجان مؤقتة بدل العودة السريعة إلى الشرعية الانتخابية.
إن اللجوء إلى المادة 81 من الدستور لإحداث لجنة خاصة، ثم سحب المشروع بعد تصاعد الجدل، يعكس تقديراً قانونياً وسياسياً كان محل نقاش واسع؛ فأين هو عنصر “الاستعجال” في ملف ظل معلقاً منذ مدة طويلة؟ إن محاولة المرور عبر مسطرة استثنائية بدل انتظار المسار التشريعي العادي طرحت تساؤلات حول جدوى هذا الخيار ومدى ملاءمته لطبيعة الملف، خاصة وأنه يتعلق بهيئة يفترض أنها تجسد استقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية.
جوهر الأزمة يكمن في استمرار الاعتماد على صيغ انتقالية بدل الحسم في تنظيم انتخابات جديدة تعيد للمجلس الوطني للصحافة شرعيته الكاملة.
وقد اعتبر عدد من المتتبعين أن هذا المسار لا ينسجم تماماً مع روح قرار المحكمة الدستورية رقم 261/25، الذي شدد على ضرورة احترام الضوابط الدستورية في إعادة هندسة المجلس. فحين تطول المرحلة الانتقالية، ويتكرر منطق اللجنة المؤقتة، يتراجع الإحساس بمركزية الانتخاب كآلية أساسية للتنظيم الذاتي.
كما أن تزامن النقاش حول إعادة هيكلة المجلس مع استمرار آليات الدعم العمومي للصحافة خلق انطباعاً بوجود تداخل حساس بين منطق الدعم ومنطق الاستقلالية المؤسساتية. وهي معادلة دقيقة تتطلب قدراً عالياً من الشفافية، حتى لا يُفهم الأمر باعتباره تأثيراً غير مباشر على توازنات الجسم المهني.
فالرهان ليس في توفير الدعم، بل في ضمان ألا يُنظر إليه كعامل يمس بالمسافة الضرورية بين الدولة والتنظيم الذاتي.
اليوم، سحب المرسوم يمكن قراءته كمراجعة سياسية، لكنه في الوقت ذاته يبرز الحاجة إلى رؤية أوضح وجدول زمني معلن يعيد القطاع إلى وضعه الطبيعي.
فغياب تصور متكامل لإجراء الانتخابات وتثبيت الإطار المؤسساتي المستقر يجعل المرحلة الانتقالية مفتوحة على التأويل. وإذا استمر الرهان على “المؤقت” لتدبير “الدائم”، فإن ذلك قد يضعف الثقة في مسار الإصلاح بدل أن يعززها.
ملف الصحافة ليس مجرد شأن إداري، بل هو اختبار دقيق لمدى احترام فلسفة التنظيم الذاتي كما يكرسها الدستور. والتحدي الحقيقي أمام الوزير اليوم ليس فقط احتواء الجدل، بل تقديم مقاربة واضحة تعيد الاعتبار للانتخاب كأصل، وتجعل من المرحلة الانتقالية استثناءً محدوداً زمنياً لا قاعدة ممتدة.
