بين الرقم والسياسة، يقف ورش الدعم الاجتماعي المباشر اليوم في قلب تحول هيكلي أطلقه الملك محمد السادس، تحول يسير فوق توازن دقيق؛ فخلف لغة “الاستهداف الدقيق” التي تعتمدها الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، تتوارى أسئلة بنيوية تتجاوز سطوة الأرقام الرسمية التي تتحدث عن 5.5 ملايين طفل و1.7 مليون مسن.
وخلال اجتماع المجلس الإداري للوكالة المنعقد يوم الأربعاء 18 نونبر بالرباط، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أكدت وفاء جمالي، المديرة العامة للوكالة، أن سنة 2025 كانت سنة “إرساء الأسس العملية” والاستثمار في الآليات التقنية، مشددة على أن الهدف ليس مجرد تحويلات مالية، بل “محاربة أسباب الفقر والهشاشة وتحقيق الإدماج المنتج”، وذلك في سياق المصادقة على خطة عمل 2026 واستعراض حصيلة السنة الجارية.
غير أن السؤال المركزي يظل قائماً: هل تمتلك الوكالة فعلياً شروط تحويل هذا الطموح إلى أثر اقتصادي ملموس في سياق وطني يواجه تحديات حقيقية في خلق فرص الشغل؟ إن الانتقال من دعم المواد إلى دعم الأشخاص، ومن المقاربات الظرفية إلى منظومة مؤسساتية، يظل رهانا استراتيجيا كبيرا إذا لم يضمن النظام أن ما يُمنح كدعم مباشر لا يتآكل بفعل ديناميات الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة التي تضعف القدرة الشرائية.
هذا التوتر يمتد إلى مفهوم “الإدماج المنتج” الذي شكل محور خطاب جمالي خلال الاجتماع ذاته؛ فالدعوة إلى تحويل “7 ملايين مستفيد” إلى طاقات منتجة تصطدم بإكراهات سوق شغل يعرف تحولات عميقة، خاصة في الوسط القروي.
الفجوة هنا ليست بين النوايا والالتزام، بل بين هندسة الاستهداف وقدرة الاقتصاد على الاستيعاب.
فبدون بيئة مقاولاتية نشطة ومنظومة تكوين متلائمة مع التحولات، قد يتحول الدعم إلى شبكة استقرار اجتماعي ممتدة زمنياً، بدل أن يكون منصة عبور نحو الاستقلال الاقتصادي.
وحتى افتتاح التمثيليات الترابية، كما حدث في إقليم الجديدة، لن يحقق أثره الكامل إذا لم يقترن بسياسات تنموية قادرة على تقليص الفوارق المجالية فعلياً، لأن العدالة الترابية لا تُقاس بالبنيات الإدارية، بل بقدرة الأسر في أبعد الدواوير على مغادرة الهشاشة بشكل مستدام.
المصادقة على خطة عمل 2026، بعد حصيلة 2025 التي شهدت رفع مبالغ الدعم وتفعيل إعانات الأيتام والمهملين، تعكس تفاعلاً مع ضغط كلفة المعيشة، لكنها تفتح في الآن ذاته سؤال الاستدامة المالية على المدى المتوسط.
ورش الدعم الاجتماعي يمثل أحد أكبر التحولات الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث؛ فإما أن ينجح في تجاوز منطق الإعانة التقليدية نحو نموذج تمكين حقيقي قائم على مؤشرات أداء دقيقة ونتائج قابلة للقياس، أو يظل نظام تحويلات واسعاً يحقق الاستقرار دون أن يحدث قطيعة بنيوية مع جذور الفقر.
الاختبار الفاصل في 2026 لن يكون في انتظام صرف المبالغ، بل في القدرة على إعلان حالات موثقة لأسر غادرت عتبة الهشاشة بفضل دينامية اقتصادية ذاتية، لا بفضل التحويلات وحدها.
فالقضية لم تعد في توسيع قاعدة المستفيدين، بل في توسيع قاعدة المنتجين، وجعل “الرقم” أداة للكرامة لا معياراً للإقصاء.
