في خضم الجدل المتصاعد حول تعويضات الفيضانات الأخيرة، قال وزير التجهيز والماء نزار بركة، أمس الأحد، عند حلوله ضيفاً على برنامج “ديكريبتاج” الذي تبثه إذاعة إذاعة MFM، إن إعلان منطقة ما “منكوبة” يخضع لشروط دقيقة يحددها القانون 110.14 ومرسومه التطبيقي، مشيراً إلى أن شرط استمرار الفيضان لمدة 504 ساعات يُعد معياراً قانونياً أساسياً للاستفادة من التعويضات المؤطرة بصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.
وأوضح أن الأقاليم التي لم تُعلن منكوبة لم تستوفِ هذه الشروط، مع تأكيده أنها ستستفيد من برامج لإعادة تأهيل البنيات التحتية المتضررة.
غير أن هذا النقاش القانوني تزامن مع التوجيهات السامية لـ الملك محمد السادس، الذي أعطى تعليماته بإطلاق برنامج استعجالي للدعم وإعادة التأهيل لفائدة المناطق المتضررة، في تأكيد واضح على أولوية حماية المواطنين وتعزيز منطق التضامن الوطني في مواجهة الاضطرابات المناخية.
هذا التوازي بين صرامة النص القانوني وروح التدخل التضامني يفتح سؤالاً مشروعاً حول فلسفة التعويض ذاتها.
فحين يتم التمسك بشرط زمني صارم كمعيار حاسم، يبرز تساؤل حول مدى ملاءمة هذا المعيار لطبيعة “الفيضانات الخاطفة” التي تُحدث أضراراً جسيمة في ظرف ساعات قليلة، خصوصاً في المناطق الجبلية ذات الهشاشة البنيوية.
وفي المقابل، عكست توجيهات جلالة الملك مقاربة تقوم على سرعة التدخل وتغليب منطق الاستجابة الميدانية على تعقيد المساطر، بما يضمن عدم ترك الأسر المتضررة في مواجهة تداعيات الكارثة وحدها.
إن احترام المساطر القانونية يظل ركناً أساسياً في تدبير المال العام وضمان الانضباط المؤسساتي، غير أن التحولات المناخية المتسارعة تفرض التفكير في مدى كفاية عنصر الزمن وحده لتقييم حجم الكارثة.
فالقانون 110.14 ومرسومه التطبيقي رقم 2.18.785 وُضعا في سياق معين، لكن واقع الكوارث الجديدة يدعو إلى مقاربة أكثر تكاملاً تأخذ بعين الاعتبار حجم الخسائر وشدة الأثر الاجتماعي إلى جانب المعايير الزمنية.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الجوهري لصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.
فهذا الصندوق ليس منحة ظرفية، بل آلية قانونية قائمة على مساهمات مالية تُستخلص ضمن عقود التأمين التي يؤديها المواطنون والمقاولات بشكل منتظم.
ومن ثم، فإن التعويض ليس إحساناً إدارياً، بل تفعيل لحق تضامني ممول مسبقاً في إطار عقد قانوني واضح يربط بين الدولة والمواطن في لحظة الخطر.
صحيح أن الوزير أكد أن الأقاليم غير المعلنة منكوبة ستستفيد من برامج تأهيل تشمل الطرق والبنيات التحتية، غير أن الفرق يظل قائماً بين التأهيل القطاعي وبين التعويض الفردي المباشر للأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر رزقها.
وهنا يتجسد جوهر النقاش: كيف يمكن ضمان انسجام المعايير القانونية مع روح التضامن الوطني التي أكد عليها جلالة الملك، بما يحقق العدالة المجالية ويعزز الثقة في آليات الحماية؟
إن مراجعة المرسوم التطبيقي رقم 2.18.785 لا ينبغي أن تُفهم كتراجع عن منطق القانون، بل كخطوة طبيعية في مسار تطوير السياسات العمومية، بما يضمن الانتقال من معيار الزمن المجرد إلى معيار الأثر الواقعي، في انسجام مع التحولات المناخية ومع روح الدولة الاجتماعية التي تضع المواطن في صلب أولوياتها.
