في كتابه «Le Roi, le mystère»، يخصص الصحافي الفرنسي Thierry Oberlé فصلاً كاملاً لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش تحت عنوان “Milliardaire et Premier ministre”، مقدّماً قراءة مركّبة لتقاطع المال بالسلطة داخل بنية سياسية يطبعها توازن دقيق بين الحكومة والقصر.
لا يقدّم الكاتب أخنوش كمسؤول منتخب فقط، بل كنموذج لمسار خاص في المغرب المعاصر: رجل أعمال ملياردير ينتقل من قيادة إمبراطورية اقتصادية واسعة إلى رئاسة حكومة في نظام ملكي يحتفظ فيه القصر بالدور المركزي في هندسة القرار.
يستعرض Oberlé الخلفية الاقتصادية للرجل، مذكّراً بأنه وريث مجموعة “أكوا” التي أسسها والده سنة 1932، والتي تطورت لتصبح فاعلاً محورياً في قطاعات المحروقات والغاز والكيماويات، إلى جانب الإعلام والفندقة.
وتُقدَّر ثروة العائلة بحوالي 1,6 مليار دولار، ما يضع أخنوش ضمن دائرة أبرز رجال الأعمال في المغرب وإفريقيا.
كما يتوقف عند توسع المجموعة في القارة الإفريقية، وبلوغها حصصاً مؤثرة في بعض الأسواق، في سياق عمليات إعادة هيكلة مالية ارتبطت بصفقات مع المجموعة السعودية Savola، ومكافآت مالية قاربت 500 مليون دولار، بينما وصلت مديونية التوسع في مرحلة معينة إلى نحو 4,3 مليار يورو.
دخل أخنوش الحكومة سنة 2007 وزيراً للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ولم يغادرها منذ ذلك التاريخ، قبل أن يقود حزبه للفوز في انتخابات 2021.
يربط الكاتب هذا الصعود بمرحلة أعقبت إنهاك الأحزاب التقليدية وتراجع الإسلاميين، مشيراً إلى أن أخنوش اعتُبر في فترة سابقة بمثابة “Vigie du Palais” في مواجهة حزب العدالة والتنمية، أي فاعلاً سياسياً قريباً من دوائر القرار الملكي، قبل أن يتحول إلى رأس السلطة التنفيذية.
يرتبط هذا التحول، في سرد Oberlé، بسنة 2015، التي شهدت تحرير سوق المحروقات وإغلاق مصفاة “سامير”، المصفاة الوحيدة في البلاد، والتي كانت قبل توقفها تغطي حوالي 60% من الطلب الوطني من المنتجات المكررة.
بيع المصفاة سنة 1997 للمستثمر السعودي محمد العامودي أدخلها في مسار توسع مدعوم بقروض وتسهيلات مالية، قبل أن تنتهي إلى التصفية القضائية سنة 2015 بعد تراكم ديون بمليارات اليوروهات.
منذ ذلك الحين، أصبح المغرب يعتمد بالكامل على الاستيراد، ما زاد من حساسية السوق تجاه تقلبات الأسعار الدولية.
في هذا السياق، يستحضر الكاتب تقرير مجلس المنافسة الصادر في فبراير 2020، الذي خلص إلى وجود مؤشرات على تنسيق غير مشروع بين شركات توزيع المحروقات.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، ارتفعت الأسعار بنحو خمسة سنتيمات للتر الواحد خلال فترة شملت بيع نحو ثمانية مليارات لتر، ما أفرز أرباحاً إضافية قُدّرت بـ1,8 مليار يورو خلال ثمانية عشر شهراً.
أوصى المجلس بتطبيق الغرامة القصوى، أي 9% من رقم المعاملات، وهو ما كان سيؤدي إلى غرامات تقارب 600 مليون يورو.
غير أن المسار عرف منعطفاً بعد إعفاء رئيس المجلس إدريس الكراوي بدعوى اختلالات إجرائية، وتعيين أحمد رحو خلفاً له، لتنتهي القضية في نوفمبر 2023 إلى تسوية مالية قاربت 165 مليون يورو، اعتبرها بعض المراقبين محدودة قياساً بحجم الأرباح المفترضة.
في المقابل، نفى رئيس الحكومة أي تواطؤ، واعتبر الاتهامات “مجرد مزاعم”.
لا يقتصر السرد على الاقتصاد، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي. يسلط الكتاب الضوء على وضع مستشفى الحسن الثاني بأكادير، الذي افتتح سنة 1967، ويعاني من تقادم التجهيزات ونقص الأدوية وضعف الصيانة وخصاص في الأطر الطبية.
شهادات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحدثت عن اختلالات خطيرة، من بينها وفيات نساء حوامل بعد عمليات قيصرية، ما غذّى موجة غضب بين فئات واسعة من الشباب.
في 27 شتنبر 2025 انطلقت احتجاجات رقمية واسعة، انتشرت في مدن مثل إنزكان ووجدة ولقليعة، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى. برزت حركة “GenZ 212”، التي بلغ عدد متابعيها حوالي 200 ألف في بداية أكتوبر، واعتمدت على منصات Discord وTikTok وX لتنظيم التعبئة خارج الأطر الحزبية التقليدية، التي وُصفت بأنها مجرد “courroies de transmission”. رفعت الحركة شعارات تطالب بإصلاح الصحة، إنهاء “r’chwa”، وضمان عدالة في الأسعار، كما استهدفت رئيس الحكومة بلقب “Monsieur Mazout”.
في فاتح أكتوبر تحولت إحدى التظاهرات إلى مواجهات أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، من بينهم مخرج شاب، ما صعّد التوتر وأدخل البلاد في مرحلة دقيقة أمنياً.
في الخلفية، يستحضر الكاتب فكرة “Du pain et des jeux”، في إشارة إلى الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالاستحقاقات الرياضية القارية والعالمية، مقابل مطالب اجتماعية ملحة.
ويلاحظ Oberlé أن المؤسسة الملكية بقيت خارج دائرة الاستهداف المباشر في الشعارات، رغم وجود نقد غير مباشر لطبيعة توزيع السلطات.
وفي خضم الاحتقان، دعا الملك في خطاب رسمي إلى تسريع الإصلاحات الاجتماعية ومواجهة الاختلالات، في محاولة لاحتواء الغضب قبل مواعيد دولية كبرى، من بينها كأس إفريقيا للأمم والاستعداد لكأس العالم 2030.
كما يتطرق الكتاب إلى مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، الذي فاز به تحالف يضم شركة مرتبطة بالمجموعة العائلية لرئيس الحكومة في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص.
نفى أخنوش وجود تضارب مصالح، مؤكداً ابتعاده عن التسيير المباشر لشركاته، غير أن الكاتب يقدّم المشروع باعتباره مثالاً على حساسية الجمع بين النفوذ الاقتصادي والسلطة التنفيذية في قطاعات استراتيجية كالماء والطاقة.
يرسم Thierry Oberlé صورة مغرب يعيش مفارقة دقيقة: اقتصاد محرر في سوق محدودة المنافسة، مشاريع بنيوية كبرى واستثمارات ضخمة، ورجل أعمال يقود الحكومة، في مقابل شباب رقمي يطالب بإعادة ترتيب الأولويات.
لا يصدر الكاتب حكماً قضائياً، لكنه يضع أخنوش في قلب معادلة تجمع بين الثروة والسلطة، ويترك السؤال مفتوحاً حول قدرة النظام على تحقيق توازن مستدام بين الاستقرار السياسي ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
