بينما كانت ردهات المحاكم المغربية تعيش توتراً ملحوظاً على خلفية إضراب المحامين، خرج حزب الأصالة والمعاصرة ببلاغ سياسي عقب اجتماعه العادي برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، حمل دعماً واضحاً لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، لكنه في الآن ذاته فتح باب التأويل حول طبيعة الرسائل الموجهة داخل الأغلبية الحكومية.
البلاغ قدّم صورة انسجام وتحمل جماعي للمسؤولية، مشيداً بما وصفه بـ“روح الحوار والتجاوب” التي أبداها الوزير مع مبادرات الوساطة البرلمانية، ومعتبراً أن الإصلاحات التي عرفها قطاع العدل “تجاوزت سقف الطموح المحدد في البرنامج الحكومي”.
غير أن هذه العبارة، في السياق السياسي، تثير تساؤلات مشروعة حول إيقاع الإصلاح وحدود التنسيق داخل التحالف الحاكم.
ففي الأنظمة البرلمانية، يشكل البرنامج الحكومي الإطار المرجعي المشترك، وأي إشارة إلى تجاوزه قد تعكس دينامية إصلاحية متقدمة، كما قد تعكس حاجة إلى مزيد من التشاور المؤسسي لتفادي توترات مماثلة مستقبلاً.
تأكيد المنصوري على “الالتزام الأخلاقي بمضمون ميثاق الأغلبية” بدا بدوره رسالة موجهة إلى الداخل قبل الخارج.
فالتذكير بميثاق التحالف في لحظة توتر قطاعي يوحي بأن الحزب حريص على تثبيت منطق التشاور كآلية دائمة، لا كإجراء ظرفي، وهو ما يعكس وعياً بأن إدارة الأزمات لا تقل أهمية عن صياغة الإصلاحات ذاتها.
الإشادة بالوساطة البرلمانية قُدمت باعتبارها تجسيداً للدور الدستوري للمؤسسة التشريعية، إلا أن الحاجة إلى وساطة بهذا المستوى تطرح سؤالاً أوسع حول مسارات إعداد النصوص القانونية الحساسة. فالإصلاحات المرتبطة بمنظومة العدالة بطبيعتها معقدة، وتتطلب توازناً دقيقاً بين الطموح التحديثي واستيعاب حساسيات الفاعلين المهنيين، خاصة في مهن منظمة ذات تقاليد مؤسساتية راسخة.
اللافت أيضاً أن البلاغ لم يحصر نفسه في أزمة قانون المحاماة، بل وسّع نطاقه ليشمل الإشادة بتعبئة المؤسسات عقب الفيضانات الأخيرة، والتأكيد على أهمية التعجيل بتنزيل التوجيهات الملكية لدعم المتضررين، إضافة إلى تثمين الحضور الدولي للمغرب في ملفات استراتيجية.
هذا الاتساع في جدول الرسائل يعكس رغبة في وضع الأزمة ضمن سياق وطني أشمل، بما يعزز صورة الحزب كفاعل منخرط في قضايا الدولة الكبرى.
في المحصلة، يمكن قراءة موقف المنصوري باعتباره دعماً سياسياً محسوباً لوزير ينتمي إلى الحزب، لكنه أيضاً محاولة لإعادة ضبط إيقاع النقاش داخل الأغلبية. فالتحدي لا يكمن فقط في تمرير قانون، بل في الحفاظ على تماسك التحالف وضمان أن تتحول لحظات التوتر إلى فرص لتحسين آليات التنسيق والتشاور.
هل ستشكل هذه الواقعة محطة لتطوير منهجية إعداد الإصلاحات الحساسة، أم أنها ستظل مثالاً على أن التحديث المؤسسي في القطاعات الحيوية يحتاج دائماً إلى مرافقة سياسية دقيقة توازي جرأته التشريعية؟
