في خطوة أثارت الكثير من الجدل في كواليس المجالس المنتخبة، قضت المحكمة الإدارية بأكادير بعزل خمسة منتخبين بإنزكان، مستندة إلى تطبيق صارم للمادتين 64 و65 من القانون التنظيمي 113.14.
لكن خلف هذا الإطار القانوني والتقني، تبرز رسالة مفادها أن زمن التساهل في استغلال المرفق العام قد انتهى.. ولكن، هل انتهى فعلاً للجميع أم أن المساءلة لا تطال إلا من لا سند سياسياً لهم؟
إن القرار لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل كشف عن نمط من “الاستفادة المزدوجة” الذي ترسخ في بعض الجماعات الترابية؛ حيث يجد المنتخب نفسه في موقع قد يجمع بين سلطة القرار والمصلحة الخاصة في آن واحد، فيصوت على الميزانية بيد، ويستفيد من أنشطة مرتبطة بالمرفق العام باليد الأخرى.
هذا ليس فقط تضارب مصالح، بل انزلاق في فلسفة التمثيل الديمقراطي.
غير أن السؤال الذي يتردد في النقاش العمومي هو: لماذا إنزكان؟ ولماذا الآن؟ وهل تتحول دورية وزارة الداخلية لسنة 2022 إلى آلية شاملة تطبق على الجميع، أم أنها ستظل مرتبطة بسياقات معينة دون غيرها؟
المعضلة الحقيقية لا تكمن في عزل مستشار جماعي يستفيد من مرفق محلي، بل في كيفية تدبير تضارب المصالح حين يتعلق الأمر بمستويات أعلى من القرار.
فالمصداقية لا تتجزأ؛ إذ لا معنى لتشديد الرقابة في المستويات الدنيا دون وضوح مماثل في ما يرتبط بتقاطعات المال والسلطة في دوائر القرار الكبرى.
إن الاكتفاء بتصحيح الاختلالات المحلية دون تعميم آليات الإفصاح والمراقبة قد يجعل شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة يبدو محدود الأثر بدل أن يتحول إلى قاعدة حكم راسخة.
من الناحية الاقتصادية، ما حدث في إنزكان يعكس إشكالية أوسع تتعلق بمناخ الأعمال؛ فحين يختلط القرار العمومي بالمصلحة الخاصة، تتضرر المنافسة وتضعف الثقة في تكافؤ الفرص.
هذا التداخل بين المال والسلطة يعيق دينامية الاستثمار ويؤثر على صورة البيئة الاقتصادية، حيث يُفترض أن يكون المنصب العمومي تكليفاً لخدمة الصالح العام لا منفذاً لتحقيق مكاسب خاصة.
إن قرار محكمة أكادير يضع الدولة أمام اختبار مهم: فإما أن يكون هذا العزل خطوة تأسيسية ضمن مسار أوسع لترسيخ قواعد إفصاح ومراقبة صارمة تطبق دون تمييز، أو يظل حالة معزولة في سياق محلي محدد.
المواطن اليوم ينتظر عدالة متوازنة تُطبق بمعايير واحدة، لأن المؤسسات لا تُقاس بقوة النصوص فقط، بل بمدى شمولية تطبيقها واتساقها على مختلف المستويات.
