في اقتصاديات الطاقة، لا تُقرأ الصفقات العمومية بالأرقام وحدها، بل بخريطة التموقع التي ترسمها على المدى المتوسط.
فحين تتكرر أسماء بعينها في عقود توريد مادة حساسة مثل “الفيول”، يصبح السؤال أوسع من مجرد “من فاز؟” إلى “كيف تتشكل البنية السوقية؟” وأي توازن يُراد بين الكلفة والمنافسة والحياد المؤسسي؟
تفيد المعطيات بفوز شركة “أفريقيا” بصفقة توريد لفائدة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بقيمة 52.6 مليون درهم، في إطار منافسة محدودة، وذلك ضمن سياق أوسع شهد صفقات بأرقام كبيرة لنفس الفاعل. ومن زاوية محاسبية بحتة، قد يبدو معيار “أقل عرض مالي” مبرراً كافياً، غير أن طبيعة قطاع المحروقات باعتباره قطاعاً عالي التركيز من حيث البنيات اللوجستية وقدرات التخزين
تجعل السؤال مشروعاً حول مدى اتساع قاعدة المنافسة الفعلية، وما إذا كانت شروط السوق تتيح فرصاً متكافئة قبل انطلاق المنافسة نفسها.
وتزداد حساسية النقاش حين يتعلق الأمر بشركة “أفريقيا” المنتمية لمجموعة “أكوا”، المرتبط اسمها تاريخياً برئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش.
هنا لا يتعلق الأمر باتهام أو تشكيك في سلامة المساطر، بل بطرح سؤال أوسع حول “المسافة الرمزية” الضرورية لحماية الثقة العامة.
ففي الديمقراطيات التي تسعى إلى ترسيخ معايير الحوكمة الحديثة، لا يكفي أن تكون الإجراءات مطابقة للنصوص، بل يُنتظر أيضاً أن تكون محاطة بضمانات تعزز الإحساس بالحياد وتفادي أي لبس محتمل في تقاطع المال بالقرار.
ومنذ تحرير الأسعار سنة 2015، شهد سوق المحروقات تحولات عميقة أعادت ترتيب مواقع الفاعلين داخله.
هذه التحولات تفرض نقاشاً هادئاً حول مستوى التمركز في السوق، وحول ما إذا كانت الليبرالية التنظيمية قد أفرزت تنافساً واسعاً كما كان مأمولاً، أم أنها ساهمت بحكم الواقع البنيوي في تعزيز موقع عدد محدود من الفاعلين الكبار. إن تموين الفيول ليس مجرد عملية تجارية، بل عنصر من عناصر “السيادة الطاقية” المرتبطة بالاستقرار الاجتماعي والنمو الصناعي، ما يجعل مسألة تنويع الموردين وتعزيز شفافية الولوج إلى الطلبيات العمومية قضية استراتيجية لا تقنية فقط.
إن جوهر المسألة ليس شخصياً، بل مؤسساتي بامتياز: كيف تُصاغ شروط طلبات العروض؟ وهل تضمن فعلاً أوسع مشاركة ممكنة؟ وما هو الدور الذي يضطلع به مجلس المنافسة في تتبع مؤشرات التمركز وحماية قواعد التنافس؟ إن الثقة في الأسواق المنظمة لا تُبنى على السعر الأقل وحده، بل على اليقين بأن قواعد اللعبة متكافئة وأن الدولة تحرص على مسافة واحدة من الجميع. فالشفافية في القطاعات الاستراتيجية ليست ترفاً، بل شرطاً لحماية المصلحة العامة وضمان أن تظل السيادة الطاقية قراراً وطنياً لا معادلة سوقية ضيقة.
