بينما تنشغل المندوبيات الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بإحصاء الخصاص المهول في الأطر، وبينما ينتظر مواطن في “المغرب العميق” موعداً لإجراء فحص بالأشعة قد لا يأتي إلا بعد عام، يبدو أن عقارب الساعة في “الإدارة المركزية” بالرباط انشغلت بإيقاع مختلف؛ إيقاع مناسبات خاصة داخل مكاتب وُصفت بالفخامة، بعيداً عن ضغط الأجهزة الطبية المتقادمة وتحديات الميدان.
المعطى الذي أوردته جريدة الصباح حول الاحتفاء بمناسبة عيد ميلاد داخل أحد المكاتب بالوزارة، وبحضور مقربين من دوائر القرار، لا يتعلق بفرح شخصي في حد ذاته، فذلك حق طبيعي.
غير أن النقاش ينصب على حدود استعمال الفضاء العمومي، وعلى الرمزية التي يحملها مكتب إداري داخل قطاع حساس.
ما معنى أن يُقام احتفاء بمناسبة عيد ميلاد داخل مكتب إداري في قطاع يواجه اختلالات متراكمة؟ إنها صورة تعكس مفارقة بين واقع الميدان وخطاب المركز.
حين تختلط أجواء مناسبة خاصة بأجواء يفترض أن يسودها التركيز والانضباط، تتشكل رسالة رمزية قد تُقرأ باعتبارها مسافة نفسية بين من يدبرون القرار ومن يعيشون ضغطه اليومي.
الأمر لا يتعلق بتجريم واقعة أو تضخيم حدث، بل بطرح سؤال الثقافة الإدارية وحدود التمييز بين الخاص والعام.
فالمكاتب السيادية ليست فضاءات محايدة بالكامل؛ إنها تحمل رمزية الدولة، وتعكس صورتها أمام موظفيها ومرتفقيها. وأي استعمال ذي طابع شخصي، حتى وإن كان عابراً، يظل قابلاً للتأويل في سياق اجتماعي حساس.
كما أن ما يُتداول حول حضور مقربين من مراكز القرار يعيد إلى الواجهة نقاش الدوائر غير الرسمية داخل الإدارة؛ تلك المساحات التي قد تمنح انطباعاً بوجود امتيازات رمزية خارج منطق المساطر الواضحة.
وهذا الانطباع، سواء كان دقيقاً أو مبالغاً فيه، يظل مؤثراً في مناخ الثقة.
في قطاع يعاني ضغط الموارد وانتظارات مرتفعة، تصبح التفاصيل الصغيرة ذات أثر كبير. فالثقة في المرفق العمومي لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل كذلك بالانتباه إلى الإشارات الرمزية التي تصدر عن المركز.
إن إصلاح قطاع الصحة لا يبدأ فقط بالبنيات أو الرقمنة، بل كذلك بترسيخ ثقافة إدارية واضحة المعالم، تحافظ على التوازن بين البعد الإنساني داخل الإدارة، والصرامة المؤسسية التي تصون هيبة المرفق ورمزيته.
فالمكتب الإداري ليس ملكاً لمن يشغله مؤقتاً، بل جزء من ملك عام يفترض أن يُدار بحساسية ومسؤولية عاليتين.
