لم تمر الجلسة العمومية التشريعية المنعقدة اليوم الثلاثاء 19 ماي 2026، أثناء مناقشة مشروع القانون رقم 87.21 المتعلق بمؤسسات الائتمان وبنك المغرب، كجلسة تقنية عادية في مسار تشريعي بارد، بل تحولت إلى لحظة سياسية كاشفة، خرج فيها عدد من النواب لمهاجمة ما وصفوه بـ“تغول” الأبناك، وارتفاع كلفة القروض، وضعف المنافسة، واحتمال أن تتحول أزمات المؤسسات البنكية إلى فاتورة يؤديها دافعو الضرائب أو المودعون.
في الظاهر، بدا الخطاب قوياً ومطمئناً، وكأن البرلمان قرر أخيراً أن يضع يده على واحدة من أكثر العقد حساسية في الاقتصاد المغربي، علاقة المواطن بالبنك، وعلاقة المقاولة الصغيرة بالتمويل، وعلاقة المال العام بالمخاطر التي تصنعها المؤسسات الكبرى.
لكن خلف هذه اللغة الصارمة يطل سؤال أكثر إزعاجاً، عن أي مواطن يتحدث البرلمان حين يتحدث عن الودائع والادخار.
فالمواطن المغربي، كما تقدمه أرقام المندوبية السامية للتخطيط، لا يعيش اليوم رفاهية الاختيار بين وضع أمواله في البنك أو خارجه، بل يعيش في الغالب وضعاً أكثر قسوة، دخل بالكاد يغطي المصاريف، وأسرة تستنزف ما تبقى من مدخراتها، أو تلجأ إلى الاقتراض فقط كي تواصل الصمود.
فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط الخاصة بالفصل الأول من سنة 2026، صرحت 59,9 في المائة من الأسر بأن مداخيلها تغطي مصاريفها فقط، فيما قالت 37,5 في المائة إنها استنزفت مدخراتها أو لجأت إلى الاقتراض، بينما لم تتجاوز نسبة الأسر التي تمكنت من ادخار جزء من دخلها 2,5 في المائة.
هذه الأرقام لا تحتاج إلى كثير من الشرح، فهي تقول ببساطة إن الحديث عن “المودعين” لا يمكن أن يختزل كل المغاربة، لأن جزءاً واسعاً من الأسر لم يعد يملك أصلاً فائضاً يدخره، ولا رصيداً يخاف عليه، ولا هامشاً مالياً يسمح له بأن يكون معنياً بلغة الإنقاذ البنكي كما تعني كبار الفاعلين وأصحاب الودائع الثقيلة.
نعم، كل المغاربة تقريباً دافعو ضرائب، حتى من لا يظهر اسمه في سجلات الضريبة على الدخل، فالمواطن يدفع الضريبة حين يشتري الخبز والزيت والحليب والدواء، ويدفعها حين يتنقل، وحين يستهلك، وحين يؤدي فواتيره، لكن ليس كل دافع ضرائب مودعاً كبيراً، وليس كل مواطن يملك حساباً بنكياً ممتلئاً يحتاج إلى حماية من اضطرابات الأسواق.
هنا تصبح المفارقة واضحة، البرلمان يتحدث باسم المواطن، لكن المواطن الذي يظهر في بعض الخطابات ليس دائماً هو المواطن الموجود في الواقع، المواطن في الخطاب يملك ودائع ومدخرات ويخاف من أزمات الأبناك، أما المواطن في أرقام المندوبية فيخاف من القرض، ومن الاقتطاع، ومن آخر الشهر، ومن قفة لم تعد ترحم أحداً.
ولا يعني هذا أن حماية النظام البنكي أمر غير مهم، بالعكس، استقرار الأبناك مسألة حيوية لأي اقتصاد، لأن اهتزاز مؤسسة مالية كبرى قد يخلق أزمة ثقة واسعة ويمس المقاولات والأسر والمعاملات اليومية، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول حماية الاستقرار إلى باب محتمل لإنقاذ مؤسسات مالية من المال العام، دون أن تكون هناك مسؤولية واضحة، أو محاسبة صارمة، أو ضمانات تمنع تكرار الأخطاء.
الأبناك حين تحقق أرباحاً كبيرة تتحدث بلغة السوق والكفاءة وحسن التدبير، لكن حين تظهر المخاطر، يصبح المواطن فجأة حاضراً في الخلفية، باسم حماية الاستقرار، وباسم المصلحة العامة، وباسم تفادي الانهيار، وهنا تنبع الحساسية السياسية الحقيقية، هل يعقل أن تكون الأرباح خاصة في سنوات الراحة، ثم تصبح الخسائر قابلة للتوزيع على دافعي الضرائب ساعة الأزمة.
هذا السؤال لا يخص الأبناك وحدها، بل يخص طريقة صناعة القرار داخل المؤسسات، فحين تناقش نصوص مالية بهذا الحجم، لا يكفي أن نرفع اسم المواطن في القاعة، المطلوب أن نعرف من يتحدث باسمه فعلاً، ومن يستعمله فقط كواجهة لغوية حين تقترب النقاشات من مصالح كبرى.
وليس غريباً أن يعود إلى الذاكرة هنا تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي، حين تحدث داخل البرلمان عن وجود “لوبيات” تدافع عن مصالح مالية أثناء مناقشة نصوص مرتبطة بتعويضات حوادث السير وشركات التأمين، تصريح من هذا النوع، حين يصدر من عضو في الحكومة، يجعل الرأي العام أكثر حذراً في التعامل مع النقاشات التشريعية التي تلامس المال والتأمين والبنوك والمصالح الكبرى.
لا أحد يقول إن كل نائب يتحدث باسم لوبي، ولا إن كل مداخلة نقدية تخفي مصلحة، فهذا تبسيط غير منصف، لكن من حق المواطن أن يتساءل حين يرى البرلمان يتحدث بحرارة عن دافعي الضرائب والمودعين، بينما واقعه اليومي يقول إنه لم يعد يملك ما يدخره، وأن أكبر معركته ليست حماية الودائع، بل حماية القدرة على العيش.
المقاولات الصغيرة تبحث عن تمويل ولا تجده بسهولة، والشباب يسمعون كثيراً عن الاستثمار والمبادرة، لكنهم يصطدمون بشروط قاسية، والأسر تغرق في القروض الاستهلاكية، وفي الجهة الأخرى، تظل الأبناك قوية في أرباحها، شديدة الحذر في تمويل المخاطر، وسريعة في طلب الحماية حين يتعلق الأمر باستقرار المنظومة.
لذلك، فالنقاش الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند سؤال إنقاذ الأبناك، بل يجب أن يذهب إلى ما هو أعمق، ماذا قدمت الأبناك للاقتصاد المنتج، كم ساندت المقاولات الصغيرة، كم خاطرت من أجل خلق قيمة مضافة، وكم مرة فضلت الطريق الآمن نحو الربح السهل بدل تمويل القطاعات التي تصنع الشغل والثروة الحقيقية.
المغرب لا يحتاج إلى قانون يطمئن الأبناك وحدها، بل يحتاج إلى عدالة مالية تربط الحماية بالمسؤولية، وتجعل من يستفيد من السوق يتحمل جزءاً من مخاطرها، وتمنع تحويل المال العام إلى وسادة ناعمة توضع تحت المؤسسات الكبرى كلما اختلت حساباتها.
العدالة المالية لا تعني معاداة الأبناك، ولا التشكيك في دورها داخل الاقتصاد، بل تعني ببساطة ألا يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف دائماً، يقترض بفائدة، يؤدي الرسوم، يدفع الضرائب، يواجه الغلاء، ثم يجد نفسه في النهاية مرشحاً للمساهمة في إنقاذ مؤسسات لم يشارك في أرباحها ولم يقرر مخاطرها.
في جلسة اليوم الثلاثاء، تحدث البرلمان كثيراً باسم المواطن، لكن أرقام المندوبية قالت ما هو أبلغ من كل المداخلات، المواطن لم يعد يملك ترف الادخار حتى نخيفه على ودائعه، بل صار يخاف من راتب لا يكفي، ومن قرض لا ينتهي، ومن بنك يدخل إليه مضطراً لا مطمئناً.
ومن هنا، لا يعود السؤال فقط من يحمي المودعين من أزمات الأبناك، بل السؤال الأهم هو من يحمي المواطن من الخطابات التي تستعير اسمه حين تكون المصالح الكبرى فوق الطاولة.
