بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن مجموعة “الاتحاد بريس” أطلقت هويتها البصرية الجديدة ومنصاتها الإلكترونية والرقمية، في حفل رسمي حضره عدد من قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وإعلاميون وفاعلون في المجال الصحفي، في خطوة قُدمت باعتبارها بداية مرحلة جديدة داخل الإعلام الحزبي الاتحادي.
غير أن الحدث، في عمقه، لا يقف عند حدود تغيير الشعار والألوان والمنصات، بل يفتح سؤالاً أقدم وأثقل: هل يتعلق الأمر بتحديث واجهة الإعلام الاتحادي فقط، أم بمحاولة استعادة شرعية سياسية وصحفية صنعتها أسماء وتجارب كبرى في تاريخ الحزب.
فحين يتحدث إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والرئيس المدير العام لمجموعة “الاتحاد بريس”، عن الصحافة الحرة والمسؤولة والملتزمة، فإن الخطاب لا يخص الإعلام وحده، بل يضع الحزب نفسه أمام مرآة صعبة: هل ما زال الاتحاد الاشتراكي يملك من وضوح الموقف وقوة المعارضة ما يسمح له بأن يطلب من منابره أن تكون صحافة حرة وجريئة.
لشكر استحضر مساراً طويلاً من النضال الإعلامي والفكري والسياسي، وتحدث عن منابر اتحادية صنعت جزءاً من ذاكرة الصحافة المغربية، من “التحرير” و”المحرر” إلى “الاتحاد الاشتراكي” و”ليبراسيون”، وهي منابر لم تكن في زمنها مجرد أدوات تواصل حزبي، بل كانت امتداداً لمعركة سياسية وفكرية حقيقية.
وهنا تظهر قوة المقارنة، لأن الصحافة الاتحادية في زمن عبد الرحيم بوعبيد لم تكن قوية فقط لأنها تحمل اسم الحزب، بل لأنها كانت مسنودة بحزب يعيش موقع المعارضة بوضوح، ويملك زعيماً سياسياً جعل من الكلمة امتداداً للموقف، ومن الجريدة واجهة لمعركة ديمقراطية لا مجرد مساحة للترويج.
فجريدة “الاتحاد الاشتراكي” خرجت بعد غياب “المحرر”، وكان عبد الرحيم بوعبيد هو من كلف محمد البريني بتحمل مسؤولية إدارتها، وحمل عددها الأول افتتاحية بعنوان “الاتحاد الاشتراكي امتداداً للمحرر”، بما جعل الصحافة الاتحادية يومها امتداداً مباشراً لمعارضة سياسية واضحة، لا مجرد مشروع تحديث إعلامي.
لذلك، فإن سؤال اليوم ليس بسيطاً: هل تستطيع “الاتحاد بريس” أن تصنع صحافة حرة إذا كان الحزب نفسه مطالباً بإثبات موقعه كمعارضة قوية بالمعنى السياسي الكامل.
فالصحافة الحرة لا تولد من الهوية البصرية وحدها، ولا من تعدد المنصات، ولا من شعارات الانفتاح على الشباب والرقمنة، بل تحتاج إلى سند سياسي واضح، وإلى حزب يملك الجرأة على مساءلة السياسات العمومية، ومواجهة الاختلالات بالحجة والملف، لا بالاكتفاء باستدعاء الذاكرة الجميلة.
هنا تكمن المفارقة: أن يطلب الحزب من منابره أن تكون حرة وقوية وناقدة، بينما يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان هو نفسه يمارس معارضة بالصلابة التي تسمح لهذه الصحافة بأن تكون امتداداً لموقف سياسي حي، لا مجرد واجهة حديثة لخطاب قديم.
عبد الحميد الجماهري، مدير نشر جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، التقط جانباً مهماً من التحول حين قال إن القارئ تغير، وإن “المناضل نفسه أصبح قارئاً أكثر من مناضل”، وهي عبارة تكشف أن زمن الجمهور الحزبي المضمون انتهى، وأن القارئ الجديد لا تكفيه الذاكرة ولا تقنعه الشعارات إذا لم يجد مضموناً قوياً ولغة صادقة وموقفاً واضحاً.
أما محمد رامي، مدير موقع “أنوار بريس”، فقد وضع الأصبع على الجرح حين حذر من الاستمرار بلغة حزبية مغلقة أو “لغة خشب”، معتبراً أن ذلك يقود الإعلام إلى الموت، وهي من أقوى الجمل في هذا النقاش، لأنها تنقل المسألة من تغيير الشكل إلى تغيير العقل التحريري والسياسي.
من هنا، تبدو مبادرة “الاتحاد بريس” مهمة إذا كانت بداية لتحول حقيقي، لا مجرد واجهة جديدة لمنطق قديم، لأن الإعلام الاتحادي يملك رصيداً تاريخياً كبيراً، لكنه مطالب اليوم بأن يثبت أن هذا الرصيد ما زال قادراً على إنتاج صحافة مهنية، ناقدة، قريبة من المواطن، ومفتوحة على الشباب.
فالهوية البصرية قد تجذب العين، لكن الهوية التحريرية وحدها تربح ثقة القارئ.
والسؤال الذي يلاحق لشكر والاتحاد الاشتراكي معاً هو نفسه: هل يستطيع الحزب أن يستعيد روح المعارضة التي منحت صحافته معناها التاريخي، أم أن تجديد الصورة سيبقى أسرع من تجديد الموقف.
