بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد مشروع قانون المحاماة رقم 66.23 مجرد نص مهني يهم المحامين وحدهم، بل تحول إلى واحد من أكثر النصوص حساسية داخل ورش العدالة، لأنه يلامس العلاقة الدقيقة بين المواطن ومحاميه، وبين الدفاع والمحكمة، وبين استقلال المهنة وحاجة الدولة إلى التنظيم والمراقبة.
ويستند هذا التحليل إلى مضامين مشروع القانون، وفق المعطيات البرلمانية المتداولة بعد مصادقة مجلس النواب عليه في القراءة الأولى، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026، بأغلبية 163 نائباً مقابل معارضة 57 نائباً، وهي محطة تشريعية فتحت نقاشاً واسعاً حول مستقبل مهنة تعتبر جزءاً من أسرة القضاء، وركيزة من ركائز الحق في الدفاع.
القراءة المتأنية للنص تكشف أن الأمر لا يتعلق بتعديل شكلي لقانون قديم، بل بإعادة ترتيب واسعة لقواعد المحاماة، من الولوج إلى المهنة، إلى التكوين، إلى الأتعاب، إلى الحسابات، إلى الحصانة، إلى التأديب، وصولاً إلى التشطيب والمنع من ممارسة المهنة.
أول ما يثير الانتباه أن المشروع ينقل العلاقة بين المحامي وموكله من زمن الثقة الشفوية إلى زمن الوثيقة المكتوبة.
فالتكليف الكتابي لم يعد تفصيلاً ثانوياً، بل صار مدخلاً أساسياً لتحديد طبيعة المهمة، وحدودها، وموضوع القضية، وطريقة أداء الأتعاب، وما اتفق عليه الطرفان، بما يجعل العلاقة المهنية أكثر وضوحاً وأقل قابلية للنزاع أو التأويل.
هذا المقتضى يبدو إيجابياً من زاوية حماية المواطن، لأن جزءاً كبيراً من الخلافات بين الموكل والمحامي كان يولد من الغموض: هل الاتفاق كان على الاستشارة فقط، أم على تتبع الدعوى كاملة، وهل الأتعاب تشمل جميع المراحل، أم تقتصر على إجراء معين.
لكن النص لا يكتفي بالتكليف، بل يدخل مباشرة إلى المنطقة الأكثر حساسية، وهي الأتعاب.
المشروع يمنح النقيب صلاحية النظر في النزاعات المرتبطة بأتعاب المحامي ومصاريفه، مع إمكانية الطعن في القرار أمام الجهة القضائية المختصة، وهو ما يجعل العلاقة المالية بين المحامي وموكله خاضعة لمسار أوضح من السابق.
كما يمنع النص الاتفاق على أن تكون أتعاب المحامي مرتبطة بنتيجة الدعوى، ويمنع كذلك تسلم الأتعاب في شكل حصة عينية أو نسبة من مال متنازع عليه.
وهذه نقطة تحمل رسالة واضحة: الدفاع ليس مقامرة، والمحامي ليس شريكاً في موضوع النزاع، والمواطن لا ينبغي أن يدخل العدالة بمنطق “اربحني وخذ النسبة”.
ومن المقتضيات اللافتة أيضاً أن الأتعاب التي تتجاوز عشرة آلاف درهم يجب أن تؤدى بواسطة شيك أو وسيلة إلكترونية، مع إلزام المحامي بتسليم وصل عن المبالغ التي يتسلمها.
هنا يدخل القانون البذلة السوداء إلى زمن الأثر المالي، حيث لا يعود المال المهني مجرد اتفاق شفوي بين طرفين، بل عملية قابلة للتتبع، والتوثيق، والمحاسبة عند النزاع.
ولا يقف المشروع عند الوصل، بل يذهب أبعد نحو الحسابات.
فالنص يفرض مسك حسابات دقيقة، وتقييد العمليات المالية، وضبط المبالغ التي يتسلمها المحامي لفائدة موكله، مع إحداث حساب ودائع على مستوى الهيئة، تودع فيه المبالغ المسلمة للمحامين لفائدة موكليهم أو لفائدة الغير.
بهذا المعنى، لم يعد المطلوب من المحامي أن يكون قوياً في المرافعة فقط، بل أن يكون واضحاً في حساباته، منظماً في وثائقه، ودقيقاً في تدبير علاقة المال بالملف.
هذا وجه مهم من الإصلاح، لأنه يحمي الموكل من الغموض، ويحمي المحامي الجاد من سوء الفهم، ويقلص مساحة النزاعات التي تولد من غياب الوثيقة والوصل والحساب.
لكن المشروع لا يقف عند حماية الموكل وتنظيم الأتعاب، بل يدخل إلى منطقة أكثر ثقلاً، وهي التأديب.
فالنص يخصص باباً واسعاً للعقوبات التأديبية، من الإنذار والتوبيخ، إلى التوقيف، ثم التشطيب من الجدول، مع مساطر تهم الطالب، والمحامي المتمرن، والمحامي الرسمي.
وهنا تبدأ الحساسية الحقيقية.
كل مهنة تحتاج إلى تأديب، وكل مهنة حرة تحتاج إلى قواعد، لكن التأديب في المحاماة ليس شأناً داخلياً بسيطاً، لأنه قد يمس محامياً يدافع في ملفات حساسة، أو يواجه أطرافاً قوية، أو يترافع في قضايا يكون فيها ميزان القوة مختلاً بين المواطن والسلطة أو النفوذ أو المال.
لذلك، فالسؤال ليس هل يجب تأديب المحامي عند الخطأ، بل كيف نضمن ألا يتحول التأديب إلى ضغط دائم على استقلال الدفاع.
المشروع يتضمن في المقابل مقتضيات مهمة لحماية المحامي أثناء ممارسة مهامه، خاصة ما يتعلق بحصانة الدفاع، وإشعار النقيب في حالات البحث أو الاعتقال أو التفتيش المرتبطة بالمهنة، وعدم مساءلة المحامي عما يرد في مرافعاته الشفوية أو مذكراته مما يستلزمه حق الدفاع، مع مراعاة الحدود القانونية.
هذه الضمانات ضرورية، لأن المحامي الذي يخاف لا يدافع جيداً، والمحامي الذي يشعر أن كل كلمة قد تتحول إلى متابعة لن يستطيع أن يكون صوتاً قوياً لموكله.
غير أن الضمانات لا تقاس بما هو مكتوب فقط، بل بطريقة التطبيق.
قد يبدو النص متوازناً على الورق، لكن تنزيله هو الذي سيحدد هل نحن أمام إصلاح يرفع جودة المهنة، أم أمام تنظيم صارم قد يربك استقلال الدفاع.
في باب الولوج إلى المهنة، يرفع المشروع سقف الشروط، من المباراة، إلى التكوين الأساسي، إلى شهادة الكفاءة، إلى التمرين داخل الهيئة، مع شروط تتعلق بالسن والشهادات والوضعية القانونية والأخلاقية للمترشح.
هذا التوجه يمكن فهمه من زاوية الرغبة في الرفع من مستوى التكوين وجودة المحامي المقبل، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤال تكافؤ الفرص أمام خريجي كليات الحقوق، خصوصاً أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة الذين قد يجدون أنفسهم أمام مسار طويل ومكلف قبل الوصول إلى البذلة السوداء.
الإصلاح الحقيقي لا يرفع جودة المهنة فقط، بل يحمي بابها أيضاً من التحول إلى ممر ضيق لا يعبره إلا من يملك الوقت والمال والقدرة على الانتظار.
المشروع يلمس كذلك حكامة هيئات المحامين، من انتخاب النقيب وأعضاء المجلس، إلى حصر ولاية النقيب في مدة واحدة غير قابلة للتجديد، إلى تمثيلية النساء داخل مجالس الهيئات، إلى تحديد شروط تأسيس هيئات جديدة وعدد أعضائها.
هذه المقتضيات تحمل عنوان التداول والمناصفة والتنظيم، لكنها تحتاج إلى نقاش هادئ حول أثرها على استقلال الهيئات، وتمثيلية المحامين، والتوازن بين التنظيم الإداري والديمقراطية المهنية.
ومن بين النقاط المهمة أيضاً تشديد حالات التنافي، أي الحالات التي لا يمكن فيها الجمع بين المحاماة وأنشطة أو وظائف معينة، خاصة ما يرتبط بالتجارة، والتسيير، والمهام التي قد تخلق تضارب مصالح.
وهذا المقتضى مهم لأنه يحاول حماية صورة المحامي من الخلط بين الدفاع والمصلحة التجارية، لكنه يحتاج إلى تطبيق دقيق حتى لا يتحول إلى قيود مبالغ فيها على الحياة المهنية للمحامي.
أما في علاقة المحامي بموكله، فيفرض النص على المحامي تتبع القضية إلى نهايتها في حدود المهمة التي كلف بها، وإخبار موكله بمآل الملف، ومراحل الدعوى، والإجراءات المتخذة، وما يصدر من مقررات قضائية، مع توجيهه في طرق الطعن وآجالها.
وهذا مقتضى مهم للمواطن، لأن جزءاً كبيراً من فقدان الثقة لا يأتي دائماً من الحكم القضائي، بل من شعور الموكل بأنه لا يعرف أين وصل ملفه، ولا من يتابع قضيته، ولا لماذا تأخر الإجراء، ولا ما إذا كانت آجال الطعن قد ضاعت.
في المقابل، يضع النص التزامات على الموكل أيضاً، منها أداء الأتعاب والمصاريف المستحقة، وتمكين المحامي من الوثائق، واحترام شروط التكليف، وهو ما يجعل العلاقة أكثر توازناً من مجرد تحميل المحامي وحده كل مسؤولية سوء التواصل أو النزاع.
القانون الجديد، بهذا المعنى، لا يدافع عن طرف ضد طرف.
هو يحاول أن يقول للموكل: لديك حق في الوضوح، والوصل، والتتبع، والمحاسبة.
ويقول للمحامي: لديك حق في الأتعاب، والحصانة، والاحترام، لكن داخل قواعد مكتوبة وواضحة.
النقطة الأكثر حساسية في المشروع تبقى هي هذا التوازن الصعب بين الرقابة والاستقلال.
إذا طغت الرقابة، سنكون أمام محام منظم لكنه خائف.
وإذا غاب التنظيم، سنكون أمام مهنة حرة لكنها معرضة للفوضى وفقدان الثقة.
والعدالة لا تحتاج لا إلى محام خائف، ولا إلى محام خارج كل ضابط.
هي تحتاج إلى محام مستقل، قوي، مؤهل، محاسب، ومحمي في الوقت نفسه.
لهذا لا يمكن قراءة مشروع قانون المحاماة 66.23 بمنطق “مع” أو “ضد” فقط.
فيه مقتضيات إيجابية لا يمكن إنكارها: التكليف الكتابي، الوصل، ضبط الأتعاب، منع النسبة من نتيجة الدعوى، الأداء الإلكتروني، الحسابات، حماية الموكل، وتحديث قواعد المهنة.
وفيه كذلك مقتضيات تحتاج إلى نقاش ومراقبة: التأديب، التشطيب، شروط الولوج، سلطات الهيئات، علاقة المحامي بباقي مكونات العدالة، وحدود التنظيم حتى لا يتحول إلى تضييق.
الموقف العاقل هو دعم إصلاح المحاماة دون المساس بجوهر الدفاع.
نعم لحماية المواطن من الغموض، لكن دون إضعاف استقلال المحامي.
نعم للمحاسبة، لكن دون تحويل التأديب إلى سيف دائم فوق رأس البذلة السوداء.
نعم لرفع جودة الولوج، لكن دون إغلاق الباب أمام الكفاءات الشابة.
نعم لتنظيم المال المهني، لكن دون تحويل المحامي إلى مجرد موظف داخل شبكة مساطر إدارية.
قانون المحاماة الجديد يفتح مرحلة مختلفة داخل العدالة المغربية.
مرحلة يدخل فيها المحامي زمن الوصل، والحساب، والتكليف، والتتبع، والتأديب الصارم.
لكن الامتحان الأكبر لن يكون في النص وحده، بل في طريقة تنزيله.
لأن قوة العدالة لا تقاس فقط بقدرتها على مراقبة المحامي، بل بقدرتها أيضاً على حمايته حين يدافع، وعلى حماية المواطن حين يثق، وعلى حماية الحق حين يصبح وحده أمام ميزان القوة.
