بقلم: مصطفى الفن
يمكن أن أقول، وبدون تردد، إن أكبر تحد واجه الملك طيلة هذا “الربع قرن” من السياسة ومن الحكم هو “احتجاجات” الربيع العربي التي نخلد اليوم ذكراها السنوية ال15..
وطبيعي أن يكون الأمر كذلك..
لأن هذه الاحتجاجات العابرة للحدود كان لها ما بعدها في أكثر من دولة عربية في محيطنا الإقليمي والعربي..
لكن كم احتاج أعلى سلطة في البلد من الزمن السياسي لتدبير هذه “الأزمة” غير المسبوقة والتي أخرجت أكثر من 50 مدينة مغربية إلى الشوارع يوم 20 فبراير من سنة 2011؟..
والواقع أن الملك لم يكن في حاجة سوى إلى 17 يوما ليضع بوصلة البلاد بكاملها على سكة جيل جديد من الأوراش الكبرى ومن الإصلاحات الكبرى..
وكلنا يتذكر كيف خرج الملك في خطاب “تاريخي” يوم التاسع من مارس أسقط فيه الكثير من “الطابوهات” الدستورية وأيضا ليضع قطار البلد على سكة الملكية البرلمانية..
جرى هذا حتى أن صحافيا علق منوها بمضامين هذا الخطاب في عنوان مثير على صدر الصفحة الأولى من جريدته:
“الملك يسقط النظام”..
بل إن هذا الخطاب الملكي حدد “خارطة الطريق” وحدد معها حتى وصفة العلاج للخروج من هذه الأزمة التي كادت ربما أن “تحرق الطاجين المغربي” مثلما قال البعض..
كما ليس سرا أن هذا الخطاب كان، بحق، تجاوبا ذكيا وسريعا مع شارع “غاضب”..
وأيضا مع مطالب الناس في درس بليغ أكد من جديد هذا الذي نسميه “الاستثناء المغربي”..
أما خارطة الطريق فقد تضمنت حزمة إجراءات “عملية” لعل أولاها هي الدعوة إلى استفتاء شعبي..
وإلى دستور جديد خرج من صناديق الاقتراع..
وإلى استحقاقات انتخابية جديدة..
وإلى تشكيل حكومة جديدة سيقودها فاعل سياسي كان ربما “شبه منبوذ” من طرف الداخل والخارج..
نعم هكذا سارت الأمور في بلدي المغرب..
فيما اختارت كل الأنظمة العربية “تقريبا” أن تواجه نشطاء الاحتجاجات الشعبية السلمية بالقتل العشوائي وبالحديد وبالنار وبالمدرعات العسكرية..
وبالطبع، كانت الحصيلة على الأرض جد ثقيلة في المحيط الإقليمي والعربي:
سقوط نظام بنعلي في تونس..
سقوط نظام حسني مبارك في مصر..
سقوط نظام امعمر القذافي في ليبيا..
وانشق السودان إلى نصفين وبسط العسكر هناك حكمه على طول البلاد وعرضها..
وتمزق اليمن إلى شعوب وقبائل ما زالت، إلى اليوم، تتقاتل وتتناحر فيما بينها..
أما سوريا فقد تحولت إلى إلى “شبه بلد” كما لو أن المسكينة “مضروبة” بقنبلة نووية..
عكس كل هذا، انتصر بلدنا إلى صوت العقل وأعطى درسا هاما في تدبير الأزمات وفي امتصاص الصدمات الشعبية الكبرى..
لكن ما هي الدروس التي ينبغي استخلاصها من تلك “الاحتجاجات” ذات الطابع الشعبي والتي اجتاحت أكثر من بلد ذات سياق مضى؟..
أول هذه الدروس هو أن “غضبات” الشعوب حتى لو بدأت بتدوينات صغيرة على الفايسبوك، فإننا لا نملك “سلم ريشتر” متحكما فيه عن بعد لقياس منسوب هذا “الغضب” أو لقياس “قوة الشارع”..
“قوة الشارع” ليس لها سقف ولا تتحكم فيها إلا قوة واحدة ووحيدة وهي القوة الإلهية..
وأنا أذكر بكل هذا أيضا لأني لم أفهم كيف أننا في هذا الزمن الحكومي “الأغبر” سنحتاج ربما إلى عقد كامل من الزمن لعلنا نجري “انتخابات” صغيرة وشكلية ومفصلة مسبقا على مقاس بضعة صحافيين وعلى مقاس بضعة ناشرين..
المثير أيضا أن كل هذا جرى بلا استشارة أهل الدار..
وبلا استشارة الهيئات النقابية للصحافيين..
وبلا استشارة هيئات الناشرين..
بل وبلا استشارة حتى أصحاب المهنة أنفسهم والمعنيين رقم واحد بهذا الذي يدعى زورا وبهتانا ب”التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة”..
..
مصطفى الفن
