يُشكل مشروع القانون الذي طرحته وزارة التجهيز والماء لتعديل القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت محطة تشريعية دقيقة في مسار تدبير الرصيد العقاري بالمغرب.
فمع تسارع وتيرة الأوراش البنيوية الكبرى، من البنيات التحتية إلى التحضيرات المرتبطة باستحقاقات دولية كمونديال 2030، تتزايد الحاجة إلى تعبئة وعاء عقاري واسع، وهو ما يضع مسطرة نزع الملكية في قلب معادلة دقيقة بين متطلبات التنمية وضمانات الملكية الخاصة التي يحميها الفصل 35 من الدستور.
أول ما يثير الانتباه في المشروع هو التنصيص على أن التعويض يجب أن يكون “مناسباً”.
هذه الصياغة تفتح نقاشاً قانونياً عميقاً، لأن المرجعية الدستورية تتحدث عن تعويض عادل مقابل نزع الملكية.
والفرق بين المفهومين ليس لغوياً فقط، بل يحمل أبعاداً عملية في تقدير القيمة.
فالقضاء الإداري المغربي درج في عدد من أحكامه على ربط العدالة التعويضية بالقيمة السوقية الحقيقية للعقار وقت صدور مقرر نزع الملكية، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعته وموقعه وإمكانيات استغلاله.
أما مفهوم “المناسب”، فهو أكثر مرونة، وقد يسمح بهامش تقدير أوسع للإدارة في ضوء إكراهات الميزانية أو اعتبارات الجدوى المالية للمشاريع.
في هذا السياق، يقترح المشروع إعداد دليل مرجعي لأثمان العقارات والحقوق العينية من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالمالية، يتم تحيينه سنوياً ونشره في الجريدة الرسمية.
من حيث المبدأ، يشكل هذا الدليل أداة لتوحيد المعايير وتقليص التفاوت في التقييم بين جهة وأخرى، كما قد يساهم في الحد من النزاعات القضائية التي غالباً ما تنطلق من اختلاف الخبرات حول القيمة الحقيقية للعقار.
غير أن التحدي يكمن في طبيعة المعطيات المعتمدة لإعداد هذا الدليل.
فالسوق العقارية المغربية تعرف تفاوتاً واضحاً بين القيم الجبائية والقيم المتداولة فعلياً، إضافة إلى ظاهرة التصريح الجزئي بالثمن في بعض المعاملات.
وإذا لم يعكس الدليل الدينامية الحقيقية للسوق، فقد يتحول عملياً إلى سقف إداري يحد من مستوى التعويض بدل أن يكون مرجعية لتحقيق الإنصاف.
ومن المستجدات أيضاً إحداث لجنة إدارية للخبرة تتولى تقدير قيمة العقارات والحقوق العينية المراد نزع ملكيتها، مع تعزيز الضمانات القانونية لفائدة المنزوع ملكيتهم.
هذه اللجنة قد تساهم في تسريع المساطر وتخفيف الضغط على المحاكم، خاصة في ظل ارتفاع عدد المشاريع العمومية.
غير أن سؤال الاستقلالية يظل مطروحاً بقوة: فلكي تحظى قراراتها بالثقة، ينبغي أن تقوم على معايير واضحة، وأن تتيح للملاك إمكانية الطعن الفعلي أمام القضاء، بما ينسجم مع مبدأ الرقابة القضائية على أعمال الإدارة.
وعلى مستوى الآجال، يقترح المشروع تقليص مدة التعليق الخاصة بتلقي التعويضات من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر، وإلزام المتعرضين برفع دعوى الاستحقاق داخل أجل محدد لتفادي التعرضات التي تعرقل صرف التعويضات.
هذه المقتضيات تعكس توجهاً نحو تسريع إنجاز المشاريع وتقليص كلفة التأخير، غير أنها قد تواجه تحديات في المناطق التي تعاني من ضعف التحفيظ العقاري أو تعقيد الوضعيات المرتبطة بالإرث وأراضي الجموع، حيث يتطلب إثبات الملكية مساطر طويلة قد لا تنسجم دائماً مع الآجال المقترحة.
في المقابل، يتضمن المشروع ضمانات مهمة، من بينها منع بيع العقارات أو الحقوق العينية المقتناة عن طريق نزع الملكية قبل مرور خمس سنوات من تاريخ نشر مقرر التخلي، إلا عبر مسطرة المنافسة، مع منح المالك السابق حق استرداد عقاره بثمنه الأصلي خلال نفس الأجل، شريطة أداء الثمن داخل ستة أشهر من تبليغه بعملية البيع.
هذا المقتضى يرسخ مبدأ ربط نزع الملكية حصراً بالمنفعة العامة التي بررته، ويحد من أي استعمال قد يُفهم على أنه خروج عن الغاية الأصلية للمسطرة.
كما عزز المشروع حماية الملاك في حالات الاحتلال المؤقت، من خلال إلزام الإدارة بإجراء جرد وإحصاء دقيق للمشتملات العقارية عند بداية العملية، وتقييم الأضرار عند نهايتها، مع ضرورة سلوك مسطرة نزع الملكية إذا أصبحت العقارات غير صالحة للاستعمال أو إذا تجاوز الاحتلال المدة القانونية المحددة في خمس سنوات.
وهي مقتضيات تستجيب لإشكالات عملية ظهرت في التطبيق، حين يتحول الاحتلال المؤقت إلى وضع شبه دائم دون تسوية نهائية.
في العمق، لا يتعلق النقاش فقط بتعديل تقني لقانون قائم منذ سنة 1982، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومالك الأرض في سياق اقتصادي متحول.
فكلما تسارعت المشاريع الكبرى، ازدادت الحاجة إلى توازن دقيق بين الفعالية الإدارية وضمان الإنصاف.
إن الفرق بين “المناسب” و“العادل” قد يبدو لفظياً، لكنه في الواقع يعكس فلسفة كاملة في تقدير الحقوق. ونجاح هذا الإصلاح لن يُقاس فقط بقدرته على تسريع الأوراش، بل بمدى ترسيخه لثقة المواطن في أن ملكيته لا تُنزع إلا في أضيق الحدود، وبمقابل يعكس قيمتها الحقيقية ويحفظ كرامته داخل دولة الحق والقانون.
