Search
فيسبوك X (Twitter) يوتيوب الانستغرام
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
Home » الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو فلسفة فقهية إسلامية جديدة للعالم الرقمي
صوت الشعب

الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو فلسفة فقهية إسلامية جديدة للعالم الرقمي

الباز عبدالإلهالباز عبدالإله2026-02-21آخر تحديث:2026-02-21لا توجد تعليقات14 دقائق
فيسبوك تويتر واتساب البريد الإلكتروني
شاركها
فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

بقلم: د.ربيع الكرعي باحث في الفكر الاسلامي المعاصر

الكلمات المفتاحية: الاجتهاد، المقاصد، الإنفوسفِير، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فقه النوازل، الحوكمة الرقمية، نظرية المعرفة.
 
يناقش هذا المقال إمكان إعادة بناء مفهوم الاجتهاد الإسلامي بوصفه ممارسة معرفية-حضارية قادرة على التعامل مع التحولات الإبستمولوجية والأخلاقية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي. وينطلق من أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل هو «بنية معرفية» تعيد تشكيل أنماط إنتاج المعرفة وتوزيع السلطة المعرفية داخل المجال العام، بما ينعكس على آليات الفتوى والقضاء والاقتصاد والتواصل والهوية. ويقترح المقال إطارًا فلسفيًا يجمع بين : أ) مقاصد الشريعة باعتبارها معيارًا قيميا ضابطًا، ب) أصول الفقه باعتباره منهجًا استدلاليًا، ج) تحليل الواقع الرقمي بوصفه بيئة معلوماتية (إنفوسفِير) تتسارع فيها التدفقات وتتشكل فيها المصالح والمفاسد بصورة جديدة، د) أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بوصفها مجالًا يختبر قدرة الفقه على إنتاج معايير قابلة للتطبيق. ويقدّم المقال نموذجًا عمليًا للاجتهاد «المعزّز رقميًا» يوازن بين الاجتهاد الفردي والجماعي، ويستثمر أدوات التحليل الرقمي دون تفويضٍ غير منضبط للآلة. كما يناقش تطبيقات معاصرة؛ الخصوصية، التحيّز الخوارزمي، المسؤولية، العقود الذكية) ويقترح مبادئ حوكمة للفتوى في المنصات الرقمية. ويخلص إلى أن أفق «فقه العالم الرقمي» لا يتحقق عبر توسيع الفتاوى الجزئية فحسب، بل عبر ترقية الاجتهاد إلى مشروع نظري يراجع أسئلة المعرفة والإنسان والمعيار في عصر الخوارزميات.
مقدمة
شهدت البشرية في العقدين الأخيرين انتقالًا نوعيًا من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد البياني، حيث أصبحت البيانات شرطًا لتشغيل الأسواق والخدمات والاتصال والإدارة.

وفي قلب هذا التحول يقف الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنيات للاستدلال الإحصائي والتعلّم الآلي وتحسين القرار. غير أن الأثر الأعمق لهذا التحول لا يتصل بالتقنية وحدها، بل بكيفية إعادة توزيع المعرفة: من «فهم» إلى «تنبؤ»، ومن «تعليل» إلى «مطابقة أنماط»، ومن «مراجعة حجج» إلى «تحسين نماذج». هذا التحول يضع الفكر الإسلامي أمام سؤال مركزي: هل تظل أدوات الاجتهاد كما هي كافية لفهم واقعٍ لم يعد الواقع فيه مجرد «ممارسات بشرية» بل صار نظامًا معلوماتيًا تُنتج فيه الآلة سلوكًا وتوصيات تؤثر في الإنسان وتوجيهاته واختياراته؟
يُستحضر مفهوم «الإنفوسفِير»البيئة المعلوماتية لتوصيف المجال الذي تتداخل فيه الكيانات البشرية والرقمية؛ ففي سياق الثورة المعلوماتية، لم نعد «سادة الإنفوسفِير بلا منازع» كما يقرر فلوريدي عند حديثه عن إزاحة الإنسان من مركز معالجة المعلومات والسلوك الذكي : فلوريدي، الثورة الرابعة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2017م، ص124 . وتتضاعف هذه الإزاحة مع توسّع الوكالة الاصطناعية (Agents) التي تُفوَّض لها الذاكرة والقرار والفرز. وتصبح أسئلة الشرع هنا متصلة بتحديد «حدود التفويض»، ومدى مشروعية الاعتماد على أنظمة لا تستطيع تبرير قراراتها بصورة شفافة، وما يترتب على ذلك من ظلم أو اعتداء على الخصوصية أو تفكيك للروابط الاجتماعية.
من ناحية منهجية، ينطلق المقال من تعريف الاجتهاد بوصفه بذلًا للوسع داخل شروط العلم والمنهج؛ فمن عبارات الغزالي«الاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب» الغزالي، المستصفى، بيروت: دار الكتب العلمية، 1993م، ج2، ص350 . ويُظهر هذا التعريف أن الاجتهاد ليس رأيًا حرًا، بل ممارسة تتضمن حدَّ الكفاية، ومعيار التحقق، والقدرة على ضبط الاستدلال. في المقابل، يقدّم الشاطبي قاعدة المقاصد التي تجعل الشريعة موجهة إلى المصالح: «إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» الشاطبي، الموافقات، القاهرة: دار ابن عفان، 1997م، ج1، ص41 . والذكاء الاصطناعي يفرض إعادة تفصيل معنى المصلحة والمفسدة في سياق جديد تتغير فيه صور الاعتداء والضرر والاحتكار والتلاعب.
إشكالية البحث وأسئلته
تتمحور الإشكالية حول سؤال: كيف يمكن تأسيس اجتهادٍ معاصر يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه واقعًا ومعرفةً ومعيارًا في آنٍ واحد، من دون أن يُفرِّغ الاجتهاد من بُعده الإنساني والمسؤول، أو يختزله في استجابات فقهية جزئية؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة:
1 .ما التحول الإبستمولوجي الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في مفهوم المعرفة والبرهان والقرار؟
2 .ما حدود إدماج الأدوات الرقمية في الاجتهاد دون الوقوع في «تفويض معياري» للآلة؟
3 .كيف يُعاد بناء المقاصد الشرعية في سياق البيانات الضخمة والوكالة الخوارزمية؟
4 .ما التطبيقات الفقهية-الأخلاقية الأكثر إلحاحًا «الخصوصية، التحيّز، المسؤولية، العقود الذكية»؟
5.ما معالم نموذج حوكمة معرفية للفتوى في المنصات الرقمية؟
المنهج وبنية المقال
يعتمد المقال منهجًا تحليليًا-تركيبيًا: يبدأ بتأصيل الاجتهاد فلسفيًا وتاريخيًا، ثم يحلل الذكاء الاصطناعي باعتباره بنية معرفية، ثم يركب بين المقاصد وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج إطار نظري «للاحتجاج» والضبط، وينتهي بتطبيقات معاصرة .
أولًا: الاجتهاد بوصفه نظرية معرفية-حضارية
. الاجتهاد بين اللغة والمنهج
يُفهم الاجتهاد في التراث الأصولي بوصفه عملية «استفراغ وسع» لاستخراج الحكم، وهو تعريف يلتقي عنده عدد من الأصوليين مع اختلافات في الصياغة. وما يهم في المقاربة الفلسفية هو أن الاجتهاد ليس مجرد تقنية استنباط، بل هو «نظام معرفة» يربط بين ثلاثة عناصر: النص، والعقل، والواقع. فالنص يمدّ بمنظومة القيم والمعايير، والعقل يشتغل بأدوات الفهم والاستدلال، والواقع يقدّم موضوع الحكم وساحة تنزيله.
ويظهر «الحد المعرفي» في تعريف الغزالي للاجتهاد التام بوصفه بلوغ نهاية القدرة داخل الممكن العلمي الغزالي، المستصفى، دار الكتب العلمية، 1993م، ج2، ص350 . هذا الحد يمنع الانفلات إلى الرأي المجرد، ويُسائل أي فتوى لا تستكمل أدواتها: كيف تحققت؟ على أي أدلة قامت؟ وما ضوابط الترجيح؟
. المقاصد: معيارٌ يضبط الممارسة
الانتقال إلى المقاصد ليس انتقالًا من النص إلى «المنفعة» بمعناها النفعي، بل هو انتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن حكم المسألة إلى فلسفة التشريع. فالشاطبي يجعل المصلحة مقصدًا كليًا للتشريع: «إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل: الشاطبي، الموافقات، دار ابن عفان، 1997م، ج1، ص41 . هذه العبارة لا تُقرأ بوصفها شعارًا، بل بوصفها قاعدة منهجية: إذ تُلزم المجتهد بوزن الضرر والمنفعة، وتحديد درجات المصالح، ومراعاة مآلات الأفعال.
وفي العالم الرقمي تتغير صور المصلحة: حفظ المال لا يقتصر على النقود بل يشمل الأصول الرقمية والهوية الرقمية، وحفظ العقل لا يقتصر على منع المسكرات بل يشمل مقاومة التضليل الخوارزمي وإدمان المنصات والتلاعب الانتباهي، وحفظ النفس يتصل أيضًا بأمن المستشفيات الرقمية وخوارزميات التشخيص، وحفظ الدين يتصل بصدق الخطاب الديني وانتشار المحتوى المزيّف. ومن ثم لا يصبح المقصد مجرد إطار وعظي، بل أداة تحليل بنيوي للضرر الرقمي.
.الاجتهاد والواقع: من واقعةٍ إلى «بيئة»
كان «الواقع» في كثير من مسائل الفقه التقليدي يُتَصوَّر واقعةً محددة : بيع، نكاح، خصومة. أما اليوم فينبغي توصيفه بوصفه «بيئة معلوماتية» تعمل بمنطق الشبكات، حيث لا تُفهم الوقائع إلا ضمن منظومات منصات، خوارزميات توصية، سلاسل توريد رقمية). فلوريدي يصف هذا التحول بوصفه دخولًا إلى الإنفوسفِير حيث لم نعد في مركزه، بل صرنا كائنات معلوماتية تتفاعل مع وكالات رقمية (فلوريدي، الثورة الرابعة، عالم المعرفة 452، 2017م، ص126.
ومن هنا ينتقل الاجتهاد من تحليل الجزئيات وحدها إلى تحليل البنى التي تنتج الجزئيات.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي كتحدٍّ إبستمولوجي وأخلاقي
. من البرهان إلى التنبؤ: تحول معيار «المعقولية»
يميل الذكاء الاصطناعي المعاصر، خاصة التعلّم العميق، إلى إنتاج نتائج عالية الدقة دون القدرة دائمًا على تقديم «تعليل مفهومي» واضح. وهذا يخلق فجوة بين معيارين: معيار الصواب (Accuracy) ومعيار التبرير (Justification). والفقه، باعتباره علمًا معياريًا، لا يكتفي بالصواب الاحتمالي، بل يطلب مسوغاتٍ قابلة للفهم والمراجعة. ومن ثم يصبح سؤال «شفافية القرار» سؤالًا فقهيًا قبل أن يكون تقنيًا.
يُظهر كوكلبيرج أن البيئة الرقمية تجعل القضايا الأخلاقية أكثر إلحاحًا لأن الذكاء الاصطناعي يتغلغل في أنشطتنا ويتولى التخطيط والكلام والتعرف واتخاذ القرار : كوكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص13. ومع هذا التغلغل تصبح مشكلات الخصوصية والتحيز والمسؤولية متصلة ببنية النظام لا بخطأ فردي.
.الخصوصية: من ستر الفرد إلى «احتكاك معلوماتي»
تاريخيًا، ارتبطت الخصوصية في الوعي الأخلاقي الإسلامي بفكرة الستر وحماية الحرمات ومنع التجسس. لكن الإنفوسفِير يفرض إعادة تعريف الخصوصية بوصفها قدرة على التحكم في تدفق المعلومات وتكلفة الوصول إليها. يعرض فلوريدي مفهوم «الاحتكاك المعلوماتي» بوصفه القوى التي تعارض تدفق المعلومات داخل منطقة ما من الإنفوسفِير : فلوريدي، الثورة الرابعة، عالم المعرفة 452، 2017م، ص136-137. وبهذا المعنى، أي خفضٍ للاحتكاك المعلوماتي : التحليل التنبؤي، تتبع المواقع، ربط قواعد البيانات يُعدّ تضييقًا للخصوصية حتى لو لم يحدث «تجسس» بالمعنى التقليدي.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما يقرره كوكلبيرج عن أن الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تطبيقات تعلّم الآلة، ينطوي غالبًا على جمع المعلومات الشخصية واستخدامها، ويمكن أن يُستخدم للمراقبة عبر الهواتف ووسائل التواصل : وكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص70. ومن ثم فإن فقه الخصوصية الرقمي لا يقتصر على «تحريم التجسس»، بل يمتد إلى قواعد الموافقة المستنيرة، وتحديد الغرض، وتقليل البيانات، ومنع الدمج غير المشروع لمصادر البيانات.
. التحيّز الخوارزمي: سؤال العدالة في عصر النمذجة
التحيّز ليس ظاهرة جديدة، لكنه يكتسب قوة جديدة عندما يصبح التحيّز «مُشفّرًا» في البيانات والنماذج، فيُنتج قرارات متكررة واسعة النطاق. يشير كوكلبيرج إلى أن الذكاء الاصطناعي عند توصيته بالقرارات قد يُظهر تحيزًا يجعل القرارات غير منصفة تجاه أفراد أو مجموعات، وأن القلق يكمن في استمرار هذه المشكلات وتفاقم آثارها : وكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص88. وفي الفقه، العدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل شرط لصحة القضاء والسياسة الشرعية والمعاملات.
تتطلب معالجة التحيّز الخوارزمي تمييزًا فقهيًا بين: أ) تحيزٍ ناشئ عن معايير شرعية صحيحة (تمييز مشروع بين متماثلين وغير متماثلين، ب) تحيزٍ ناشئ عن بيانات منحازة أو نماذج تعيد إنتاج ظلم اجتماعي وهنا يتداخل الاجتهاد مع علوم البيانات: لأن معرفة «مناط الظلم» لا تُستخرج بالنص وحده، بل بتحليل كيفية توليد القرار.
.المسؤولية: مَن يُسأل عندما تقرر الآلة؟
يفتح الذكاء الاصطناعي مسألة «لامسؤولية الآلات» وما يتصل بها من القرارات غير المبررة كما يعنون كوكلبيرج أحد فصوله : وكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص79.وفي التصور الفقهي، المسؤولية ترتبط بالقصد والقدرة والعلم. لكن النظم الذكية تخلق طبقات من الفاعلية: المطور، والمُشغِّل، وصاحب البيانات، ومن يعتمد القرار. لذا يصبح الاجتهاد مطالبًا ببناء نظرية «مسؤولية موزعة» تراعي دور كل طرف، وتحمي المتضرر من ضياع الحق بين الفاعلين.
ثالثًا: نحو نموذج للاجتهاد المعزَّز رقميًا
.حدود الاستفادة من الأدوات الرقمية
يمكن للأدوات الرقمية أن تخدم الاجتهاد في ثلاثة مستويات: أ) مستوى الاستقراء الواسع للنصوص والفتاوى والمدونات (ب) مستوى توصيف الواقع عبر البيانات (اقتصاد، صحة، سلوك اجتماعي،
ج) مستوى محاكاة السيناريوهات وتقدير المآلات. لكن الخطر يكمن في تحويل هذه الأدوات إلى «سلطة بديلة» أو إلى مرجعية تفرض نتيجتها دون تبرير. وعليه فإن الاستفادة المشروعة مشروطة بمبدأين: الشفافية وقابلية المراجعة.
الشفافية تعني أن يعرف المجتهد – ومن يخاطبهم – كيف توصّل النظام إلى توصيته، وقابلية المراجعة تعني إمكانية اختبار الفرضيات وتفنيدها. وفي غياب ذلك، يصبح الاعتماد على «صندوق أسود» نوعًا من تعطيل ملكة النظر، وهو ما يناقض جوهر الاجتهاد بوصفه بذلًا للوسع.
.الاجتهاد الجماعي في عصر الشبكات
مع تعقّد قضايا الذكاء الاصطناعي يصبح الاجتهاد الجماعي أكثر إلزامًا؛ لأن الموضوع ليس حكمًا مجردًا بل شبكة عناصر تقنية-اقتصادية-اجتماعية. والاجتهاد الجماعي ليس مجرد جمع تواقيع، بل بناء عملية تداولية تقوم على: أ) خبراء الشريعة (أصول/مقاصد/فقه نوازل، ب) خبراء التقنية (تعلم آلي/أمن/بيانات، ج) خبراء الاجتماع والاقتصاد والقانون. وفي هذا السياق، تمنح المنصات الرقمية إمكانات جديدة للتداول، لكنها تفرض كذلك تحديات (السرعة، الاستقطاب، التضليل.
ولكي لا تتحول المنصات إلى سوقٍ للفتوى السريعة، يقترح المقال آلية مؤسسية: «مجالس اجتهاد رقمية» تُنشر أعمالها بمستويات مختلفة: تقرير علمي كامل، ملخص مبسط، فتوى تنفيذية. ويُشترط أن تُوثق هذه المجالس خطوات الاستدلال ومصادر البيانات المستخدمة، وأن تُعلن تضارب المصالح، وأن تُحدِّد «نطاق الصلاحية» الزمني للفتوى في بيئة تتغير بسرعة.
.مِيزان المآلات في الأنظمة الذكية
من خصائص الذكاء الاصطناعي أنه ينتج آثارًا غير خطية: قرار بسيط في خوارزمية توصية يمكن أن يغيّر رأيًا عامًا، واختيار معيار في نموذج ائتماني قد يحرم فئات كاملة من التمويل. وهذا يستدعي تفعيل مفهوم «المآلات» في الاجتهاد بصورة منهجية. ويتكامل هنا تحليل فلوريدي للخصوصية بوصفها احتكاكًا معلوماتيًا، إذ إن خفض الاحتكاك يُحدث آثارًا اجتماعية تتجاوز الفرد إلى بنية الثقة في المجتمع :
فلوريدي، الثورة الرابعة، عالم المعرفة 452، 2017م، ص136-137.
وبناءً على ذلك، لا يكفي السؤال: هل التقنية مباحة في ذاتها؟ بل يجب السؤال: ما نمط السلطة الذي تؤسسه؟ من يملك البيانات؟ من يملك النموذج؟ من يملك قرار الإغلاق أو التعديل؟ وهل يؤدي استخدامها إلى احتكار أو تمييز أو مراقبة شاملة؟
رابعًا: تطبيقات فقهية-فلسفية معاصرة
. الفتوى والخطاب الديني في زمن التوليد الآلي
أدوات التوليد اللغوي قادرة على إنتاج نصوص دينية ذات مظهر علمي، لكنها قد تخلط بين المذاهب، وتنتقي الأقوال بلا ضابط، أو تُسقط شروط السياق. وهنا يُطرح سؤال: هل يجوز الاعتماد عليها في الإفتاء؟ المقال يميز بين «الاستعانة» و«الإحالة»: الاستعانة في جمع النصوص أو تلخيص أقوال الفقهاء ممكنة بضوابط، أما الإحالة إلى الآلة بوصفها مصدرًا للحكم فغير مقبول؛ لأن الاجتهاد فعل مسؤول يتطلب نية وعلمًا ومحاسبة.
وتفرض هذه الأدوات كذلك تحديًا على صدقية المجال العام الديني: إذ قد تنتشر فتاوى مزيفة أو منسوبة زورا إلى علماء. وعليه يصبح من المقاصد العملية «حفظ الثقة المعرفية»، أي حماية الجمهور من الفوضى المعرفية التي تضعف الدين بوصفه نظام معنى.
. العقود الذكية والعملات الرقمية: بين الصيغة والمآل
تتيح العقود الذكية تنفيذ شروط التعاقد تلقائيًا على شبكات بلوكشين. لكن التحدي الفقهي لا يتعلق بالصيغة الرقمية فقط، بل بمنطق «اللا رجعية» (immutability) وتوزيع المسؤولية، وغياب جهة قضاء أو تحكيم قادرة على تصحيح الخلل. هنا يعود ميزان المقاصد: هل يحقق العقد الذكي العدل ويمنع الغرر ويضمن الحقوق، أم يفتح بابًا جديدًا للضرر عبر استغلال ثغرات الشيفرة أو تعقيد الفهم على عامة المتعاقدين؟
تستلزم هذه المسائل بناء فقه «هندسة الثقة»؛ أي أن يُنظر في شروط التقنية التي تجعل المعاملة عادلة وقابلة للتقاضي. وعلى المجتهد أن يميّز بين التقنية كوسيط، النظام كبيئة حاكمة للسلوك.
.الطب والخوارزميات: سلامة القرار وحدود الخبرة
في الطب، تقدم خوارزميات التشخيص والتنبؤ بالمخاطر قدرة على تحسين النتائج، لكن خطرها يكمن في تعميم أخطاء البيانات أو إخفاء آليات القرار. ومسألة «المسؤولية الموزعة» تظهر هنا بحدة: الطبيب يعتمد توصية النظام، والنظام صُمم على بيانات قد لا تمثل المجتمع المحلي، والمستشفى يختار النظام لأسباب اقتصادية. ولذا يتطلب الاجتهاد هنا قواعد: أولوية السلامة، ووجوب التحقق، وحق المريض في المعرفة، والتزام الشفافية بشأن دور الخوارزمية.
. العدالة والقضاء: التقييم الآلي للمخاطر
تستخدم بعض الأنظمة أدوات تقييم المخاطر في قرارات الإفراج المشروط أو تقدير العقوبة. الخطر هنا ليس تقنيًا فقط؛ بل أخلاقي-حقوقي: تحويل الفرد إلى «نقطة بيانات» والتعامل مع البشر بوصفهم احتمالات. من منظور فقهي، القضاء قائم على بينة، وعدالة، وسماع، وحق الدفاع. فإذا كانت الخوارزمية لا تفسّر قرارها أو كانت منحازة في بياناتها، فإن إدخالها في القضاء يهدد مقصد العدل.
خامسًا: تعميق فلسفي: الإنسان، الآلة، والمعيار
هل الذكاء الاصطناعي «عقل» أم «محاكاة»؟
يميل الجدل الفلسفي حول الذكاء الاصطناعي إلى التمييز بين الذكاء بوصفه سلوكًا وظيفيًا وبين العقل بوصفه وعيًا ومعنى. ولا يحتاج المقال إلى حسم هذا الجدل لصالح جهة، لكنه يحتاج إلى نتيجتين فقهيتين: أ.لا يُنسب للآلة قصدٌ شرعي بالمعنى التكليفي؛ لأن التكليف يقوم على إدراك وإرادة ومسؤولية.
ب. تُحسب أفعال الآلة على من صمم أو شغّل أو فوّض ضمن حدود التفويض.
ويفيد في هذا السياق التمييز بين «الوكالة» و«الفاعلية»: فالآلة قد تكون وكيلًا تنفيذيا لكنها لا تصبح فاعلًا أخلاقيًا مستقلًا إلا في خطابٍ مجازي. وهذا التمييز يمنع الخلط بين كون الآلة تنتج نتائج وبين كونها تتحمل تبعة النتائج.
. أخلاق التصميم: إدماج القيم في الخوارزمية
تشير أدبيات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى ضرورة تضمين القيم في التصميم، مثل الخصوصية المضمنة في التصميم والشفافية والتتبع : كوكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مؤسسة هنداوي، 2024م، ص111.

ومن منظور مقاصدي، يمكن فهم ذلك كترجمة عملية لقاعدة «سد الذرائع» و«درء المفاسد» قبل وقوعها، لا بعدها. فإذا كان النظام يخلق ذريعة شبه حتمية للتمييز أو المراقبة أو الاستغلال، فالأصل منع التصميم أو تقييده، لا انتظار وقوع الضرر.
.معيارية البيانات: من يملك تعريف «الواقع»؟
البيانات ليست مرآة محايدة للواقع؛ إنها «اختيار» لما يُقاس وكيف يُقاس. وحين تصبح البيانات أساس الحكم أو التوصية، فإن من يملك البيانات يملك – ضمنيًا – تعريف الواقع. لذلك، فإن العدالة في الأنظمة الذكية تستلزم عدالة معرفية: تمثيلًا منصفًا، وإمكانية اعتراض، وإتاحة للتدقيق، ومنعًا للاحتكار. وفي البيئة الرقمية، تزداد خطورة الاحتكار لأن الخوارزميات تتعلم من الحجم؛ ومن ثم فإن هيمنة شركة على البيانات قد تُنتج هيمنة على القرار.
سادسًا: مبادئ مقترحة لحوكمة الاجتهاد والفتوى في المنصات الرقمية
يقترح المقال مجموعة مبادئ قابلة للتطبيق المؤسسي:
1 .مبدأ التوثيق: كل فتوى رقمية كبرى تُرفق بوثيقة منهجية تُبيّن أدلتها ومقاصدها ووصف الواقع والبيانات المعتمدة.
2 .مبدأ الشفافية: التصريح بدور الأدوات الرقمية وحدودها، ومنع نسب الحكم إلى «الآلة» أو إلى مخرجات نموذج بلا مراجعة بشرية.
3 .مبدأ العدالة الخوارزمية: فحص التحيّز في البيانات والنماذج قبل اعتماد توصياتها؛ لأن استمرار الظلم عبر الخوارزمية ضربٌ من أكل الحقوق بالباطل.
4 .مبدأ الخصوصية المضمنة: اعتماد سياسات تقلل جمع البيانات وتحدد الغرض وتمنع الدمج غير المشروع، اتساقًا مع تعقّد الخصوصية في بيئة الذكاء الاصطناعي :كوكلبيرج، 2024م، ص70.
5 .مبدأ المسؤولية الموزعة: تحديد مسؤوليات المطوّر والمشغّل والمستفيد، ووضع آليات تعويض واضحة للمتضرر.
6 .مبدأ قابلية المراجعة الزمنية: لأن الحكم على تقنيات متسارعة يتطلب تحديثًا دوريًا، تُحدد مدة صلاحية الفتوى التقنية وشرط إعادة تقييمها.
خاتمة
يؤكد هذا المقال أن الذكاء الاصطناعي يفرض على الاجتهاد الإسلامي انتقالًا من التعامل مع «نوازل متفرقة» إلى بناء «نظرية فقهية للعالم الرقمي».

فالتحول الذي أحدثته الثورة الرابعة لا يقتصر على أدوات جديدة، بل يمس تصورنا لأنفسنا داخل الإنفوسفِير ولحدود الوكالة والمسؤولية والخصوصية والمعيار :فلوريدي، الثورة الرابعة، عالم المعرفة 452، 2017م، ص124-129.بقدر ما يُعدّ الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز الاستقراء والاجتهاد الجماعي وتقديم خدمات علمية دقيقة، فهو كذلك خطر إذا صار أداة لترسيخ المراقبة والتمييز واحتكار المعرفة.
ومن ثم، فإن أفق «اجتهادٍ معزّز رقميًا» يتطلب: ضبطًا مقاصديًا، وفهمًا تقنيًا، وحوكمة معرفية، وتواضعًا منهجيًا يعترف بحدود النماذج والبيانات. وعندئذ يمكن للفقه الإسلامي أن يقدم مساهمة عالمية في أخلاقيات التقنية، لا بوصفه تقليدًا مغلقًا، بل بوصفه مشروعًا حضاريًا يربط بين الإنسان والمعنى والعدل في عصر الخوارزميات.
قائمة المراجع :
الغزالي، أبو حامد محمد. 1993م). المستصفى من علم الأصول (ج2 بيروت: دار الكتب العلمية.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى. 1997م). الموافقات في أصول الشريعة (ج1 القاهرة: دار ابن عفان.
فلوريدي، لوتشيانو.2017م). الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني؟ (ترجمة: لؤي عبد المجيد السيد). الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة
كوكلبيرج، مارك.2024م). أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ترجمة: هبة عبد العزيز غانم؛ مراجعة: هبة عبد المولى أحمد. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي.
حلاق، وائل. د.ت). هل سُدَّ باب الاجتهاد؟ (طبعة إلكترونية). متاح عبر الأرشيف الرقمي للكتب العربية على موقع Internet Archive.

شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
السابقما هو أكبر تحد واجه الملك محمد السادس طيلة أكثر من عقدين ونصف العقد من العهد الجديد؟
التالي التعويض “المناسب” مقابل “العادل”: لغز المصطلح الجديد في قانون نزع الملكية
Avatar photo
الباز عبدالإله

المقالات ذات الصلة

ما هو أكبر تحد واجه الملك محمد السادس طيلة أكثر من عقدين ونصف العقد من العهد الجديد؟

2026-02-21

التنمية المستدامة في زمن التعقيد: الحاجة إلى رؤية هادئة

2026-02-20

الكنبوري: بـ 3 مليارات درهم.. شراء علني للصحافة وتكريس لريع المقاولات الحزبية

2026-02-20
اترك تعليقاً إلغاء الرد

الأخيرة

بين احتجاجات الشارع وأجوبة الوزير… هل يكفي الباراسيتامول لعلاج منظومة الصحة؟

2025-09-30

نداء ولاء ووفاء إلى السدة العالية بالله… الوضع لم يعد يحتمل والتدخل الملكي العاجل بات ضرورة

2025-09-30

العرّاب والانتخابات… حين لا تهتز أوركسترا الحكم بصوت الصندوق

2025-08-30

الملاعب بين بريق الصورة وكلفة الصمت… العرّاب حين يصرف من جيوب المواطنين لصناعة الانبهار

2025-09-01
أخبار خاصة
قالو زعما 2026-02-21

هل نودّع “صيدلي الحي” والكرني؟ بوعيدة يحذر من مقاربة تُسَلِّع قطاع الصيدلة

خرج الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي عبد الرحيم بوعيدة، في فيديو مطوّل عبر قناته على مواقع…

التعويض “المناسب” مقابل “العادل”: لغز المصطلح الجديد في قانون نزع الملكية

2026-02-21

الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو فلسفة فقهية إسلامية جديدة للعالم الرقمي

2026-02-21
إتبعنا
  • Facebook
  • YouTube
  • TikTok
  • WhatsApp
  • Twitter
  • Instagram
الأكثر قراءة
الأكثر مشاهدة

بين احتجاجات الشارع وأجوبة الوزير… هل يكفي الباراسيتامول لعلاج منظومة الصحة؟

2025-09-30740 زيارة

نداء ولاء ووفاء إلى السدة العالية بالله… الوضع لم يعد يحتمل والتدخل الملكي العاجل بات ضرورة

2025-09-30628 زيارة

العرّاب والانتخابات… حين لا تهتز أوركسترا الحكم بصوت الصندوق

2025-08-30573 زيارة
اختيارات المحرر

هل نودّع “صيدلي الحي” والكرني؟ بوعيدة يحذر من مقاربة تُسَلِّع قطاع الصيدلة

2026-02-21

التعويض “المناسب” مقابل “العادل”: لغز المصطلح الجديد في قانون نزع الملكية

2026-02-21

الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو فلسفة فقهية إسلامية جديدة للعالم الرقمي

2026-02-21

مع كل متابعة جديدة

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

© 2026 جميع الحقوق محفوظة.

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter