خرج الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي عبد الرحيم بوعيدة، في فيديو مطوّل عبر قناته على مواقع التواصل الاجتماعي، محذّراً مما اعتبره تحولاً وشيكاً في بنية قطاع الصيدلة بالمغرب، على خلفية النقاش الدائر حول توصيات مجلس المنافسة المتعلقة بتحرير بعض جوانب الاستثمار في القطاع. وتبقى هذه التوصيات ذات طابع استشاري، في انتظار ما قد تؤول إليه النقاشات الحكومية والتشريعية المرتقبة.
بوعيدة اعتبر أن فتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين الكبار قد يؤدي، تدريجياً، إلى ظهور سلاسل صيدليات حديثة على شكل متاجر كبرى، حيث “يدخل المواطن، يختار الدواء من الرف، يؤدي الثمن ويغادر”، في مقابل تراجع دور صيدليات القرب التي يعرف أصحابها مرضاهم وتاريخهم الصحي، ويوفرون لهم الاستشارة الأولية والتسهيلات الاجتماعية.
في قراءته للمقترحات المتداولة، لخص بوعيدة مخاوفه في أربع نقاط أساسية: أولها اختزال الصحة في منطق السوق، وثانيها تحويل الدواء من مادة ذات بعد علاجي وإنساني إلى مجرد سلعة، وثالثها تقليص دور الصيدلي من فاعل صحي وقائي إلى تاجر، ورابعها التعامل مع المواطن كمستهلك لا كمريض يحتاج إلى رعاية.
ويرى أن المقاربة الاقتصادية الليبرالية الصرفة، إن لم تكن مؤطرة بضمانات اجتماعية ومجالية واضحة، قد تفتح الباب أمام تركّز رأسمالي في المدن الكبرى، حيث القدرة الشرائية المرتفعة، مقابل تراجع الخدمات الصيدلانية في القرى والمناطق الهامشية.
ومن بين أبرز التحذيرات التي أطلقها، إمكانية تعرض الصيدليات الصغيرة للإفلاس في حال دخول شركات كبرى قادرة على شراء كميات ضخمة من الأدوية بشروط تفضيلية.
واعتبر أن منطق هامش الربح قد يدفع الفاعلين الكبار إلى التركيز على الأدوية ذات العائد المرتفع، على حساب أدوية ضرورية بهوامش محدودة.
كما أشار إلى البعد الاجتماعي لصيدلي الحي، الذي لا يقتصر دوره
بحسبه على بيع الدواء، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم استشارة أولية، وتتبع بعض الحالات المزمنة، وأحياناً منح تسهيلات في الأداء لفئات هشة.
وفي المقابل، يرى متابعون للشأن الاقتصادي أن توسيع قاعدة الاستثمار قد يُمكّن من تحديث القطاع وضخ رساميل إضافية، وتطوير الخدمات اللوجستيكية وسلاسل التوزيع، بما قد ينعكس إيجاباً على وفرة بعض الأدوية وتنظيم السوق.
غير أن هذا الطرح يظل، بدوره، رهيناً بوجود آليات تنظيمية صارمة تضمن التوازن بين منطق المنافسة ومتطلبات الصحة العمومية.
بوعيدة نقل أيضاً خلاصات قال إنها صادرة عن مهنيين ونقابيين في القطاع، مفادها أن المقاربة المقترحة لا تندرج ضمن تقييم شامل للسياسات الصحية، بل ضمن “هندسة سوق تنافسية” قد تمس بالتوازن القائم حالياً.
وألمح إلى إمكانية لجوء الصيادلة إلى خطوات احتجاجية خلال الأسابيع المقبلة، في حال المضي قدماً في أي تعديل لا يراعي خصوصية المهنة وأبعادها الاجتماعية.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بموقع الدواء داخل السياسات العمومية: هل يُنظر إليه كخدمة صحية ذات بعد اجتماعي خاص، أم كسوق قابل لإعادة الهيكلة وفق قواعد الاستثمار والمنافسة؟ وبين هذين التصورين، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان الأمن الدوائي والعدالة المجالية، مع الحفاظ على استقرار منظومة صيدلانية تشكل إحدى حلقات القرب الأساسية بين المواطن والنظام الصحي.
ويبقى الملف مفتوحاً على نقاش مؤسساتي وتشريعي لم يُحسم بعد، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات الرسمية المرتقبة، وسط ترقب مهني ومجتمعي لمآلات هذا الورش الحساس
