لم يعد ارتفاع أسعار الخضر والأسماك حدثاً عابراً يمكن تبريره بتقلب موسمي أو اضطراب مؤقت في العرض.
ما يحدث في الأسواق اليوم يتجاوز مفهوم “الظرفية” الذي يتكرر في التصريحات الرسمية، ليطرح سؤالاً أعمق حول بنية السوق نفسها، وحول الأسباب التي تجعل الأسعار ترتفع بسرعة وتستقر طويلاً عند مستويات مرتفعة، حتى بعد انقضاء المبررات.
السردين، الذي ظل لعقود رمزاً لغذاء الفئات الشعبية، أصبح يُباع بأسعار تقارب 30 درهماً للكيلوغرام في عدة مناطق.
الروبيان والسمك الأبيض تجاوزا عتبات كانت تعتبر في السابق استثنائية، فيما استقر البصل والطماطم والبطاطس عند مستويات لم تعد بسيطة بالنسبة لميزانيات الأسر ذات الدخل المحدود أو المتوسط.
السؤال لم يعد: لماذا ارتفع الثمن؟ بل: لماذا لا ينخفض بالوتيرة نفسها؟
الرواية الجاهزة تشير إلى تراجع العرض، أو تأثير الفيضانات على الإنتاج الفلاحي، أو ضغط الطلب في فترات معينة. وهي عوامل حقيقية بلا شك.
لكن الاقتصار عليها كجواب شامل يُغفل جانباً مهماً من الصورة: اختلال سلاسل التوزيع، وضعف الشفافية في مسارات التسويق، وبقاء عدد من أسواق الجملة خارج منطق التحديث الكامل.
حين ينتقل المنتوج من الضيعة أو الميناء إلى المستهلك، يمر عبر حلقات متعددة تضيف كل منها كلفة وهوامش ربح.
في غياب تتبع رقمي دقيق وشفاف لهذه المسارات، يصبح من الصعب على الرأي العام فهم أين يتضخم السعر تحديداً.
هذا الغموض هو ما يغذي الإحساس بأن “الظرفية” تحولت إلى شماعة جاهزة لكل موجة غلاء.
المفارقة أن المغرب يُصنف ضمن كبار مصدري عدد من المنتجات الفلاحية نحو أوروبا وإفريقيا، ويُقدم نفسه كنموذج فلاحي صاعد.
غير أن التوازن بين متطلبات التصدير وضمان استقرار السوق الداخلي يظل معادلة حساسة.
فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة المواطن على الولوج إليه بسعر معقول.
تقارير المندوبية السامية للتخطيط تشير بوضوح إلى أن التضخم الغذائي ظل من أبرز مكونات الضغط على القدرة الشرائية خلال السنوات الأخيرة.
كما أن دور مجلس المنافسة يظل محورياً في تتبع أي اختلال محتمل في المنافسة داخل القطاعات الحساسة، بما فيها سلاسل توزيع المواد الغذائية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق حملات مراقبة ظرفية أو إصدار تصريحات مطمئنة، بل في إصلاح هيكلي يمس عمق المنظومة: تحديث أسواق الجملة، تقليص عدد الحلقات الوسيطة، رقمنة المعاملات، وتعزيز الشفافية في هوامش الربح.
دون ذلك، سيظل كل انخفاض طفيف في الأسعار يُسوَّق كإنجاز، بينما يبقى “السقف الجديد” أعلى مما كان عليه قبل سنوات.
اللغة التقنية قد تبرر الارتفاع بعوامل العرض والطلب، لكن السوق ليست معادلة رياضية بحتة؛ إنها فضاء اجتماعي حساس، تمس تقلباته الاستقرار اليومي للأسر.
وعندما يصبح السردين قريباً من خانة “المنتج المكلف”، ويُحسب ثمن البصل ضمن حسابات دقيقة في ميزانية الأسبوع، فإن المسألة تتجاوز الأرقام إلى سؤال العدالة الاقتصادية.
فهل تكفي لغة “الظرفية” لشرح ما يحدث؟ أم أن ما نحتاجه هو مراجعة شاملة لكيفية تنظيم السوق وضبط توازناتها، حتى لا يتحول الغلاء من استثناء إلى قاعدة صامتة يعاد إنتاجها كل موسم؟
