حين اختار محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، مدينة الداخلة لإطلاق جولته الجهوية، لم يكن الأمر مجرد محطة تنظيمية عادية في رزنامة حزبية.
فالمدن لا تُختار اعتباطاً، والداخلة ليست نقطة على الخريطة فقط؛ إنها عنوان سياسي واقتصادي ودبلوماسي في آن واحد.
الرسالة الأولى كانت داخلية: الحزب يريد أن يثبت أنه خرج من مؤتمره الاستثنائي أكثر تماسكا. الانتقال التنظيمي تمّ في هدوء محسوب، والصورة التي يراد تثبيتها هي صورة “المؤسسة القوية” التي لا تهتز بتغيير الوجوه.
غير أن السياسة لا تكتفي بالصور؛ فهي تختبرها في الميدان.
الرسالة الثانية كانت ترابية: الصحراء ليست فقط ملفاً سيادياً، بل ورش استثمار ضخم، ومختبراً لرهان النموذج التنموي الجديد. اختيار الداخلة يوحي بأن الحزب يريد أن يبدأ من حيث تلتقي الرمزية الوطنية بالرهان الاقتصادي. هنا يتحول الموقع الجغرافي إلى رسالة سياسية قائمة بذاتها.
أما الرسالة الثالثة، فكانت حكومية بامتياز. الإشادة بحصيلة الوزراء لم تأتِ عرضاً.
حين يُعاد التأكيد على “البعد الاجتماعي” و“الحماية الاجتماعية” و“تحفيز الاستثمار”، فنحن أمام محاولة لترسيخ سردية مفادها أن الحزب لا يدير تنظيماً فقط، بل يقود خياراً سياسياً متكاملاً.
غير أن الرهان الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بمدى انعكاس تلك السياسات على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
الجولة الجهوية، كما قُدمت، عنوانها الإنصات.
لكن الإنصات في السياسة ليس فعلاً محايداً؛ إنه مؤشر على إدراك أن الثقة تُبنى ميدانياً، لا خطابياً فقط.
وكلما ارتفع منسوب الحديث عن “تقوية الحضور الميداني”، كان ذلك تعبيراً عن وعي بأن السياسة اليوم تُختبر في القرب لا في المنصات.
مرافقة عدد من وزراء الحزب وقياداته البارزة تعطي الانطباع بأن الأمر يتجاوز لقاء تنظيمياً عادياً. إنها صورة جماعية تؤكد الاستمرارية.
غير أن الاستمرارية في السياسة لا تُختزل في وحدة الصف، بل في القدرة على تحويل الرمزية إلى أثر ملموس.
انطلاق الجولة من الداخلة قد لا يكون مجرد ترتيب لبرنامج حزبي، بل اختياراً محسوباً لبداية تُقرأ بعيون متعددة: داخلية، انتخابية، ورمزية.
وبين الجغرافيا والخطاب، تتشكل معالم مرحلة سياسية جديدة.
