ليس “عبد الرحيم” مجرد شاب من تارودانت قرر قضاء لياليه ببردها وحرها أمام مقر وزارة النقل واللوجستيك بالرباط؛ بل هو مرآة حادة تعكس هشاشة شعارات دعم المقاولة الشابة حين تختبرها الوقائع.
خمسة أشهر من الاعتصام ليست مجرد مدة زمنية، بل مؤشر ثقيل على خلل في آليات الإنصات داخل قطاع يُفترض أنه شريك في مخاطر الاستثمار، لا مجرد إدارة تمنح التراخيص وتعتبر مهمتها منتهية.
عندما تمنح الوزارة ترخيصاً لمشروع نقل دولي، فهي لا تسلّم “ورقة” فقط، بل تمنح جرعة ثقة في قطاع تؤطره اتفاقيات دولية معقدة؛ فكيف يُترك مستثمر شاب واجه تشدداً في التأشيرات المهنية الفرنسية وحيداً في العراء؟ وأين تتجلى فعلياً “الدبلوماسية الاقتصادية” التي تتصدر العناوين الرسمية؟ وأين موقع الوزير عبد الصمد قيوح في حماية مهنيي قطاعه من تقلبات القرار القنصلي الأجنبي؟ إن ترك شاب استثمر 120 مليون سنتيم يواجه شبح المتابعات والاختناق المالي، يبعث برسالة مقلقة لكل من يفكر في ولوج عالم الاستثمار: المخاطر عليك وحدك، أما المرافقة فموسمية.
وإذا كانت المعطيات التي يوردها المعتصم صحيحة بشأن منعه من ولوج بعض مرافق الوزارة، بما فيها المسجد والحمام، فإن الملف ينتقل من مجرد توتر إداري إلى اختبار قاسٍ لصورة المرفق العمومي. فالإدارة التي تختلف مع محتج لا يليق بها أن تبدو وكأنها تعاقبه بعزلة رمزية داخل فضاء يفترض أنه ملك لجميع المواطنين.
هيبة الدولة لا تُصان بإغلاق الأبواب أمام صاحب مظلمة، بل بقدرتها على إدارة الخلاف بقدر من الرصانة والاحتواء.
وإذا كان الاحتجاج يسبب حرجاً، فإن الحوار يخفف الكلفة السياسية، أما الصمت فيراكمها.
الأزمة، في جوهرها، ليست نزاعاً فردياً، بل سؤال تخطيط واستباق. هل كانت الوزارة على علم بتشدد منح التأشيرات المهنية؟ وهل حذّرت المهنيين من التحولات المحتملة؟ أم أن المستثمرين الصغار اكتشفوا المتغيرات بعد أن تورطوا مالياً؟ هنا يتبدى الخلل: حين تتغير شروط السوق الخارجية، يجب أن تتحرك آليات التنسيق الداخلي بسرعة، لا أن تكتفي الإدارة بمشاهدة الانعكاسات.
كان يمكن فتح قناة مع وزارة الشؤون الخارجية، أو إصدار بلاغ يوضح حجم الإشكال وعدد المتضررين، أو تشكيل لجنة تقنية لاقتراح حلول انتقالية.
حتى الاعتراف بوجود صعوبة أفضل من إنكارها بالصمت.
ومن المفارقات ذات الدلالة أن الوزير والمعتصم ينحدران من الإقليم نفسه.
المفارقة ليست جغرافية بقدر ما هي اجتماعية: بين من يجلس على كرسي القرار ومن يفترش الإسفلت، مسافة ينبغي أن تُختصر بالحوار لا أن تتسع بالبرود.
التمثيلية السياسية لا تُقاس فقط بعدد الأصوات، بل بمدى قدرة المسؤول على التقاط إشارات الضيق حين تصدر من الهامش.
الهروب من النقاش لا يحلّ المشكلة، بل يؤجلها ويضخمها. والوزارة اليوم مطالبة بتوضيح الوقائع للرأي العام بعيداً عن لغة الخشب، وبتفعيل وساطة مؤسساتية جادة تنقذ ما يمكن إنقاذه من أوضاع المستثمرين الصغار.
عبد الرحيم قد يكون اسماً في ملف، لكنه تحول إلى معيار لقياس جدية الدولة في مواكبة أبنائها حين تتعثر مشاريعهم بسبب عوامل خارجية.
فإما أن تُفتح الأبواب ويُستعاد منطق الشراكة بين الإدارة والمستثمر، أو يترسخ الانطباع بأن الاستثمار مخاطرة غير محصّنة، وأن الدعم شعار أكثر منه شبكة أمان.
