لم يعد خطر “السكتة القلبية” الذي حذر منه الراحل الحسن الثاني اقتصادياً صرفاً، بل صار اليوم “مجتمعياً” بامتياز، وتقرير المخاطر العالمية لعام 2026 ليس مجرد ورقة تقنية، بل هو “إنذار أخير” لمن يهمه الأمر؛ فالاستقرار في المغرب لم يعد يُشترى بالأرقام الكبرى للنمو، بل بـ”الكرامة اليومية” للمواطن التي تآكلت بفعل سياسات الأمر الواقع.
ولعل أخطر ما يواجهنا اليوم هو “مخدر المطر”؛ فهذه التساقطات التي جاءت بعد سنوات عجاف، ورغم بهجتها، قد تتحول إلى “فخ تدبيري” يوهمنا بأن الأزمة انتهت، بينما الحقيقة أننا نرهن مصير ملايين البشر لمتغير مناخي لا نملك فيه زر التشغيل، ونستمر في تأجيل الإصلاح الهيكلي تحت مبرر “عام زين”.
إن الجرأة الحقيقية تكمن في الاعتراف بأن سوق الشغل المغربي تحول إلى ما يشبه “المصيدة”؛ فنحن لا نعاني فقط من عطالة الشباب، بل من نمط تشغيل منخفض الأجر لا يتيح حركية اجتماعية حقيقية، حيث يشتغل المواطن لساعات طوال براتب “يُبقي على قيد الحياة” ولا “يُبني حياة”، مما يجعل الوظيفة أداة لإعادة إنتاج الهشاشة لا للخروج منها. هذا الاحتقان الصامت يغذيه شعور متزايد بتراجع الثقة في وعود “الدولة الاجتماعية” التي ترفع شعارات براقة، بينما يواجه المواطن في الواقع مرافق عمومية منهكة، وكأن المطر الذي يسقي الأرض يفشل في غسل أدران البنية التحتية المتهالكة التي تفضحها أول “زخة” قوية في أزقة المدن المهمشة.
ومع تصدر التضخم لقائمة التهديدات، يظهر بوضوح أن “قفة المواطن” هي القنبلة الموقوتة الحقيقية؛ فاستمرار الغلاء مع “جمود الأجور” يقص خيوط الأمان لدى الطبقة المتوسطة، محولاً إياها إلى طبقة مسحوقة تقتات على الانتظار.
هذا الواقع يزكيه “التوزيع غير المتكافئ للثروة” الذي يلمح إليه التقرير، حيث يعيش المغرب على إيقاع “اقتصادين”: اقتصاد الواجهة والمشاريع المليارية، واقتصاد الفئات الهشة الذي يصارع من أجل البقاء في ظل اختلالات في توزيع القيمة المضافة، وتفاوت في الاستفادة من الموارد والفرص.
إن المغرب في 2026 ليس مهدداً بـ”عدو خارجي”، بل بتحديات داخلية متراكمة وبطء في معالجة الاختلالات البنيوية؛ فالرهان الحقيقي اليوم ليس في عدد الموانئ أو الملاعب، بل في قدرة الدولة على جعل المواطن يشعر أنه “شريك” حقيقي في الثروة، وليس مجرد “رقم ضريبي” في معادلة لا تخدمه بالقدر الكافي.
لقد انتهى زمن لغة الأرقام الماكرو-اقتصادية التي لا تشبع جائعاً، وجاء زمن الحساب الاجتماعي العسير الذي لن تشفع فيه حتى السنين الممطرة إذا لم يرافقها عدل في التوزيع وكرامة في العيش.
