أثار النقاش الذي رافق تعديل القرار المشترك رقم 1250.25 المتعلق بتنظيم سيارات نقل الأموات جدلاً تجاوز حدود الواقعة التنظيمية نفسها، ليمس سؤالاً أعمق يتعلق بكيفية تقييم القرار الإداري داخل دولة القانون.
فبين من اعتبر التراجع مساساً بـ“هيبة الدولة”، ومن رأى فيه تصحيحاً لمسار تنظيمي، بدا واضحاً أن النقاش يحتاج إلى إعادة تأطير بلغة قانونية دقيقة، بعيداً عن الحمولة الرمزية للمفاهيم.
في التحليل الدستوري الصرف، لا يشكل مفهوم “هيبة الدولة” معياراً قانونياً قائماً بذاته.
الدستور المغربي يؤسس لمبادئ واضحة تحكم عمل الإدارة، من قبيل سمو القانون، وخضوع السلطات العمومية له، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الأمن القانوني.
هذه هي المعايير التي تُقاس بها مشروعية القرار الإداري، لا درجة صلابته أمام الجدل العمومي ولا قدرته على الصمود في مواجهة الانتقاد.
القرار الإداري، خصوصاً إذا كان ذا طبيعة تنظيمية، يخضع لما يُعرف في الفقه الإداري بالسلطة التقديرية.
وهي مساحة تتيح للمنظم اختيار الحل الأنسب من بين بدائل متعددة، ما دام يحترم الإطار القانوني الأعلى ولا يمسّ بحقوق دستورية صريحة.
وضمن هذا المنطق، يظل تعديل القرار أو مراجعته إجراءً مشروعاً وممكناً في أي وقت، متى رأت الإدارة أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.
من ثمّ، فإن ربط التراجع بضعف الدولة يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل تصبح المرونة التنظيمية قرينة هشاشة؟ أم أن العكس هو الأدق، أي أن القدرة على التقييم والمراجعة تعكس نضجاً مؤسساتياً؟ في التجارب الدستورية المقارنة، لا تُقاس قوة الدولة بجمود قراراتها، بل بمدى خضوعها لمنطق المراجعة والتقويم المستمر في إطار القانون.
صحيح أن تكرار سيناريو “قرار ثم جدل ثم تعديل” قد يثير تساؤلات حول جودة استشراف الأثر الاجتماعي قبل صدور النصوص التنظيمية.
غير أن هذا الاعتبار يتعلق بتحسين آليات إعداد القرار، لا بالتشكيك في مشروعيته من حيث المبدأ.
فالإدارة ليست معصومة من التقدير، لكنها ملزمة قانوناً بتصحيح مسارها متى تبين لها أن معطيات الواقع أو مقتضيات المصلحة العامة تستدعي إعادة النظر.
إن اختزال النقاش في “صورة الدولة” قد يحجب جوهر الدولة الدستورية الحديثة، التي لا تقوم على التعالي أو العناد، بل على التوازن بين النص والواقع، وبين السلطة والمسؤولية.
فالدولة ليست كياناً رمزياً يتغذى على الصرامة الشكلية، بل منظومة مؤسسات تخضع للقانون وتحتكم إلى قواعده، بما في ذلك قاعدة قابلية القرار الإداري للتعديل في إطار المشروعية.
الرهان الحقيقي، إذن، لا يكمن في الدفاع عن صلابة القرار أو في إدانة تراجعه، بل في ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من الاستشارة المسبقة، وتقدير الأثر، والانفتاح على النقاش العمومي، عناصر بنيوية في صناعة النص التنظيمي.
عندها فقط يصبح النقاش حول “الهيبة” زائداً عن الحاجة، لأن قوة الدولة ستستمد من صلابة مشروعيّتها، لا من صلابة خطابها.
