لم يكن السؤال الكتابي الذي وجهته البرلمانية فاطمة التامني إلى وزير الداخلية مجرد ممارسة رقابية اعتيادية، بل خطوة سياسية تفتح نقاشاً حساساً حول علاقة الدولة بمغاربة العالم في عصر التعبير الرقمي العابر للحدود.
وفي سؤالها الموجّه عبر رئاسة مجلس النواب، أثارت التامني ما وصفته بحالة القلق التي يعيشها عدد من الشباب المغاربة المقيمين بالخارج، على خلفية ما يتم تداوله بشأن توقيفات عند الدخول إلى التراب الوطني بسبب منشورات أو مواقف تم التعبير عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتساءلت البرلمانية بشكل مباشر:
هل توجد حالياً مذكرات بحث أو إجراءات قضائية في حق شبان وشابات مغاربة مقيمين بالخارج بسبب تعبيرهم عن آرائهم عبر الوسائط الرقمية؟
ما هي الضمانات القانونية المعتمدة لإشعار المعنيين بأي متابعة قبل دخولهم التراب الوطني؟
هل يمكن أن يشكّل التعبير عن الرأي في حد ذاته موجباً للتوقيف عند الحدود، أم أن الأمر يظل خاضعاً لشروط قانونية دقيقة ومحددة؟
وما هي التدابير التي تعتزم الوزارة اتخاذها لطمأنة الشباب المقيمين بالخارج وضمان حقهم في العودة إلى وطنهم في إطار احترام القانون والحقوق الدستورية؟
بهذه الصيغة الواضحة، وضعت التامني وزارة الداخلية أمام سؤال “الأمن القانوني” لمغاربة العالم؛ فالإشكال، كما يفهم من مضمون السؤال، لا يتعلق برفض تطبيق القانون، بل بالحاجة إلى وضوح المساطر وضمانات الشفافية حتى لا يتحول الغموض إلى مصدر قلق دائم.
النقاش هنا يتجاوز واقعة بعينها، ليلامس جوهر الثقة بين الدولة وأبنائها في الخارج.
فالشباب الذي يعيش في بيئات ديمقراطية تمنح هوامش واسعة للتعبير، قد يجد نفسه متردداً في العودة إن ظل يجهل وضعيته القانونية أو إن كان يخشى مفاجآت عند ختم الجواز.
الرهان، إذن، ليس فقط قانونياً، بل سياسياً واستراتيجياً.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد تحويلات مالية أو استثمارات صيفية، بل امتداد بشري وثقافي للمملكة.
وحماية شعورهم بالأمان القانوني عند العودة تُعدّ شرطاً أساسياً لتعزيز الثقة وربط الأجيال الصاعدة بوطنها الأم.
الكرة الآن في ملعب وزارة الداخلية لتقديم جواب واضح يحدد الإطار القانوني المعتمد، ويبدد أي لبس حول ما إذا كانت التدوينات والآراء الرقمية يمكن أن تكون سبباً في إجراءات عند الحدود، أو إن كان الأمر يظل محكوماً بضوابط قضائية دقيقة ومحددة.
الجرأة التي حملها السؤال البرلماني ليست في الاتهام، بل في المطالبة بالوضوح.
وفي قضايا الثقة، الوضوح ليس ترفاً… بل ضرورة دولة حديثة تريد أن تبقى متماسكة داخل حدودها وخارجها.
