أثار التصريح الذي أدلى به رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، حول احتمال بلوغ سعر لتر المحروقات في المغرب نحو 17 درهماً في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لأكثر من ثلاثة أسابيع، نقاشاً واسعاً حول الدور الحقيقي للمؤسسة المكلفة بضمان المنافسة داخل السوق الوطنية.
وقد جاء هذا التصريح خلال مشاركته في برنامج “نبض العمق” الذي يُبث على منصات موقع العمق المغربي، في سياق الحديث عن تأثير التوترات العسكرية في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة العالمية.
غير أن هذه التصريحات لا يمكن اختزالها في مجرد توقع تقني مرتبط بتقلبات السوق الدولية، بل تطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة الرسائل التي قد تصل إلى الرأي العام وإلى الفاعلين الاقتصاديين في قطاع المحروقات.
فعندما يحدد المسؤول الأول عن المنافسة في البلاد رقماً مستقبلياً لسعر سلعة محررة تخضع لتقلبات الأسواق الدولية والجيوسياسية، فإن ذلك يفتح الباب أمام نقاش حول تأثير مثل هذه التصريحات على توقعات السوق وسلوك الفاعلين الاقتصاديين.
وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى الجدل الذي يرافق سوق المحروقات في المغرب منذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015، وهو القرار الذي نقل تحديد الأسعار من سلطة الدولة إلى منطق السوق والمنافسة بين شركات التوزيع.
وفي هذا السياق، فإن الإعلان عن رقم مرجعي مثل 17 درهماً قد يُفهم لدى بعض المتابعين على أنه مؤشر قد تستند إليه الشركات في تفسير أي زيادات مستقبلية، خاصة عندما يرتبط الأمر بظروف دولية معقدة مثل التوترات في منطقة الخليج وتأثيرها المحتمل على إمدادات النفط العالمية.
وفي تصريحاته خلال البرنامج، أوضح رحو أن المغرب يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المواد البترولية، وهو ما يجعل الأسعار المحلية مرتبطة بشكل وثيق بتطورات السوق الدولية.
كما أشار إلى أن مجلس المنافسة يتابع تطور الأسعار داخل السوق بشكل دوري، وأن الشركات العاملة في القطاع مطالبة بتقديم تقارير كل ثلاثة أشهر تشرح كيفية احتساب الأسعار داخل السوق المغربية ومدى تأثرها بالتغيرات التي تعرفها الأسواق العالمية.
غير أن النقاش الذي أثارته هذه التصريحات يعيد طرح سؤال أوسع يتعلق بطبيعة الدور المنتظر من مجلس المنافسة.
فالمؤسسة التي يفترض أن تلعب دور “حارس المنافسة” مطالبة أساساً بتشريح آليات تشكل الأسعار داخل السوق الوطنية، وليس فقط تفسير انعكاسات التقلبات الدولية عليها. فالسؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين لا يتعلق فقط بمدى ارتفاع الأسعار، بل بكيفية انتقال هذه التغيرات إلى السوق المحلية.
فغالباً ما يلاحظ المواطنون أن أي ارتفاع في الأسعار الدولية ينعكس بسرعة على محطات الوقود في المغرب، بينما تحتاج التخفيضات العالمية في كثير من الأحيان إلى وقت أطول قبل أن تظهر آثارها على الأسعار المحلية.
هذا التفاوت ظل لسنوات في صلب النقاش العمومي حول فعالية المنافسة داخل قطاع المحروقات، كما ظل مرتبطاً بمسألة هوامش الربح التي يحققها الفاعلون في السوق بعد تحرير الأسعار.
وفي هذا الإطار، يرى عدد من المتابعين أن الدور الحقيقي لمجلس المنافسة ينبغي أن يتركز على تعزيز الشفافية داخل السوق، وعلى التدقيق في كيفية احتساب الأسعار وهوامش الربح، بدل الاكتفاء بقراءة تأثيرات السوق الدولية.
فالمؤسسات الرقابية مطالبة أساساً بضمان احترام قواعد المنافسة والتأكد من أن الأزمات الدولية لا تتحول إلى مبرر لزيادات غير متوازنة داخل السوق الوطنية.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط واحتمال تأثيرها على حركة إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، يبقى احتمال تقلب أسعار الطاقة قائماً في العديد من الدول المستوردة.
غير أن النقاش داخل المغرب لا يتوقف عند العوامل الخارجية فقط، بل يشمل أيضاً مدى قدرة مؤسسات الحكامة الاقتصادية على ضمان سوق أكثر شفافية وتوازناً، يحمي المنافسة الحقيقية ويأخذ في الاعتبار القدرة الشرائية للمواطنين.
