بينما يراقب المواطن المغربي بقلق مؤشر أسعار المحروقات الذي يضغط على قدرته الشرائية، اختارت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، أن تطمئن العالم بـ”فرنسية أنيقة” عبر شاشة BFM Business.
رسالة الوزيرة كانت واضحة للأسواق الدولية: المغرب اقتصاد قادر على الصمود رغم الاضطرابات الجيوسياسية.
غير أن السؤال الذي بقي معلقاً لدى المغاربة هو: صامدٌ بِمَن؟ وعلى أي أساس؟ فليس مستغرباً أن يخاطب المسؤولون المستثمرين، لكن اللافت أن قضايا مصيرية، مثل أثر التوترات الدولية على معيش المواطن، تُطرح في استوديوهات باريس قبل أن تتحول إلى نقاش واسع داخل الفضاء العمومي الوطني.
فالوزيرة طمأنت الأسواق بأن المغرب “منصة صناعية مستقرة”، لكنها لم تفصل للرأي العام كيف يمكن للمالية العمومية أن تتعامل مع فارق العشرين دولاراً بين فرضية قانون المالية (65 دولاراً) والواقع الذي تجاوز عتبة 85 دولاراً.
هذا التوجه نحو المنابر الأجنبية لا يبدو مجرد اختيار تقني، بل يعكس أيضاً طريقة خاصة في ترتيب الأولويات التواصلية.
ففي الوقت الذي تُوجَّه فيه رسائل الطمأنة إلى الأسواق الدولية، يظل النقاش الداخلي حول أثر تقلبات الطاقة على القدرة الشرائية أقل حضوراً في الخطاب الرسمي.
وهنا يبرز سؤال مشروع حول موقع الرأي العام الوطني في معادلة التواصل الاقتصادي، خاصة وأن المواطن يظل المعني الأول بتداعيات أي ارتفاع محتمل في أسعار المحروقات.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف ستنعكس هذه التقلبات العالمية فعلياً على الحياة اليومية للمغاربة؟ فالفارق بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية التي تُعرض في المنابر الدولية، والواقع المعيشي للمواطن، يظل فجوة تحتاج إلى تفسير واضح ومباشر داخل النقاش الوطني.
في المقابل، برزت نقطة ارتباك أخرى في المشهد التواصلي للحكومة مع الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، تجاه مغاربة العالم.
ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تقديم صورة الاستقرار الاقتصادي أمام المستثمرين، يبقى خطاب التواصل مع الجالية مجالاً حساساً يتطلب قدراً أكبر من الدقة، خصوصاً وأن تحويلاتهم المالية تمثل أحد الأعمدة الأساسية للاحتياطات من العملة الصعبة التي تتباهى بها المؤشرات الاقتصادية.
هذا التباين يوحي بوجود إيقاعين مختلفين داخل الخطاب الحكومي: خطاب تقني موجَّه إلى الخارج بلغة المؤشرات والطمأنة، وخطاب داخلي لا يواكب دائماً حساسية النقاش المجتمعي.
فالحديث عن “المزيج الطاقي الأخضر” مهم من زاوية الاقتصاد الكلي، لكنه لا يجيب بالضرورة عن تساؤلات المواطنين المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة.
كما أن تخصيص دعم مهم للإعلام الوطني، ثم توجيه بعض الرسائل الاقتصادية الكبرى عبر قنوات أجنبية، يعيد طرح سؤال دور الإعلام المحلي في نقل وتفسير السياسات العمومية.
فالمغرب لا يُقاس فقط بمؤشرات الاستقرار الاقتصادي، بل أيضاً بدرجة الثقة داخل المجتمع.
المغرب لا يُقاس فقط بمؤشرات الاستقرار الاقتصادي، بل أيضاً بدرجة الثقة داخل المجتمع.
فالاستقرار الحقيقي لا يقوم فقط على لغة الطمأنة الموجهة للأسواق، بل كذلك على وضوح الخطاب مع المواطنين.
فالمواطن والجالية ليسا مجرد أرقام في ميزان الأداء الاقتصادي، بل عنصران أساسيان في معادلة الثقة التي يقوم عليها أي نموذج تنموي.
الاستقرار الاقتصادي لا يُقاس فقط بثقة المستثمرين، بل أيضاً بثقة المواطنين.
وحين يختل هذا التوازن، تصبح معركة التواصل أصعب من معركة الأرقام نفسها.
