في الوقت الذي ما تزال فيه جراح جبال الأطلس حاضرة في ذاكرة سكان القرى المتضررة، اختار وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن يرد على سؤال كتابي لرئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، إدريس السنتيسي، بلغة الأرقام والتعبئة الإعلامية الواسعة.
غير أن هذا العرض الرقمي يثير سؤالاً أساسياً: هل نجحت هذه التعبئة الإعلامية في نقل الصورة الكاملة لما جرى ويجري في مناطق الزلزال، أم أنها ركزت أساساً على إبراز جانب من الجهود المبذولة في مواجهة الكارثة؟
فالوزير تحدث عن تسهيل مهمة أكثر من 300 صحفي يمثلون نحو 100 وسيلة إعلام دولية لتغطية تداعيات الزلزال وأوراش إعادة الإعمار.
وبالنسبة للحكومة، يشكل هذا الانفتاح الإعلامي دليلاً على رغبة المؤسسات في تمكين الرأي العام الوطني والدولي من متابعة تطورات الوضع عن قرب.
غير أن بعض المتابعين يرون أن هذا الحضور الإعلامي الكثيف لم يكن كافياً دائماً لنقل التعقيدات اليومية التي تعيشها بعض القرى المتضررة، حيث ما تزال أسر عديدة تواجه تحديات مرتبطة بإعادة بناء منازلها أو استكمال الإجراءات الإدارية المرتبطة بالدعم.
الأرقام التي قدمها بنسعيد بشأن دور الإعلام العمومي تعكس بدورها حجم هذه التعبئة.
فقد أنجزت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة أكثر من 1750 روبورتاجاً وتقريراً ميدانياً خلال سنة 2023 من المناطق المتضررة، واستمرت التغطية خلال سنتي 2024 و2025 عبر تقارير من أقاليم الحوز ومراكش وتارودانت وشيشاوة وورزازات.
غير أن كثافة هذه التغطية الإعلامية تطرح في المقابل تساؤلات حول مدى قدرتها على عكس الصورة الكاملة للواقع الميداني، خاصة في الدواوير الجبلية البعيدة التي تواجه تحديات مرتبطة بسرعة تنفيذ بعض أوراش الإعمار.
إن هذا التباين الصارخ بين “بريق الأرقام” و”قسوة الواقع” يضعنا أمام حقيقة لا يمكن القفز عليها؛ فجغرافيا الأطلس الوعرة لا يجب أن تتحول إلى مبرر لشرعنة البيروقراطية القاتلة، كما أن وعورة التضاريس لا ينبغي أن تكون ذريعة لتعقيد المساطر الإدارية التي تزيد من نزيف معاناة المتضررين. فالمواطن الذي فقد سقفه في ليلة غادرة لا يهمه عدد الكاميرات التي زارت قريته، بقدر ما يهمه تبسيط إجراءات “الرخصة” و”الدعم” التي يبدو أنها تائهة في دهاليز المكاتب البعيدة عن أنات الجبل.
فبالنسبة لسكان هذه المناطق، لا تقاس مرحلة ما بعد الزلزال بعدد التقارير التلفزية أو بحجم التغطية الإعلامية، بل بمدى تقدم عمليات إعادة البناء ووصول الدعم إلى جميع الأسر المتضررة.
وتشير بعض الشهادات الميدانية إلى أن جزءاً من السكان ما يزال ينتظر استكمال بعض المساطر الإدارية أو التقنية المرتبطة بإعادة بناء المنازل، في وقت تتحدث فيه التقارير الرسمية عن تقدم مهم في أوراش إعادة الإعمار.
ويبقى التحدي الأساسي في مثل هذه الحالات هو تحقيق توازن بين التواصل المؤسساتي الذي يبرز حجم الجهود المبذولة، وبين نقل الواقع الميداني بكل تفاصيله وتعقيداته.
فنجاح عمليات إعادة الإعمار لا يقاس فقط بمدى حضورها في وسائل الإعلام، بل بقدرتها على إعادة الحياة الطبيعية إلى القرى المتضررة وضمان وصول الدعم إلى كل من تضرر من هذه الكارثة.
وفي هذا السياق، يبدو أن زلزال الحوز سيظل لفترة طويلة اختباراً مهماً لسياسات إدارة الكوارث وإعادة الإعمار في المغرب. فالتاريخ قد يتذكر حجم التعبئة الإعلامية التي رافقت الكارثة، لكنه سيتذكر أيضاً مدى نجاح برامج الإعمار في الوصول إلى سكان القرى الجبلية الذين ما تزال آثار الزلزال حاضرة في حياتهم اليومية.
