بقلم: الباز عبدالإله
خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، اليوم الخميس، بلغة أرقام واثقة وهو يستعرض ما وصفه بـ“الورش ذي الأولوية” في قطاع الصحة، مؤكداً أن الحكومة عبأت إمكانيات مالية مهمة وأقرت إصلاحات قانونية وتنظيمية متسارعة لتعزيز العرض الصحي.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعيداً عن أضواء الندوات الصحافية يظل قائماً: هل تنعكس هذه الاستثمارات فعلياً على جودة الخدمات الصحية التي يتلقاها المواطن؟
كشفت المعطيات المقدمة عقب اجتماع المجلس الحكومي، اليوم الخميس، عن استكمال وتأهيل نحو 1400 مركز صحي أولي من الجيل الجديد بكلفة بلغت 6,4 مليار درهم، إلى جانب إطلاق برنامج إضافي لتأهيل 1600 مركز صحي آخر بغلاف مالي يقارب 7 مليارات درهم.
كما تم التأكيد على مواصلة إحداث مستشفيات جامعية بمختلف جهات المملكة، حيث تم افتتاح بعضها فيما توجد أخرى في طور الإنجاز، في إطار توسيع البنية الاستشفائية وتعزيز التغطية المجالية.
وفي ما يتعلق بالمؤسسات الاستشفائية، أعلنت الحكومة عن إنجاز 29 مستشفى جهوياً وإقليمياً بطاقة استيعابية تصل إلى 3168 سريراً، مع استمرار أشغال 20 مستشفى جديداً بطاقة 3700 سرير خلال السنة الجارية، إضافة إلى برمجة 15 مشروعاً استشفائياً جديداً بطاقة 1800 سرير.
وهو ما يعكس دينامية استثمارية واضحة تستهدف الرفع من الطاقة الاستيعابية وتحسين توزيع الخدمات الصحية.
على مستوى الموارد البشرية، سجلت المؤشرات الرسمية تحسناً في كثافة مهنيي الصحة، حيث انتقل المعدل من 17 مهنيًا لكل 10 آلاف نسمة إلى 25 خلال سنة 2025، مع توقع بلوغه 30 في أفق 2026، والوصول إلى 45 مهنيًا بحلول سنة 2030.
ويواكب هذا التوجه توسيع العرض التكويني، من خلال مضاعفة عدد المقاعد البيداغوجية بكليات الطب، وفتح مؤسسات جديدة، إلى جانب مضاعفة طاقة الاستيعاب بالمعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، وتخصيص مناصب مالية إضافية لدعم القطاع.
كما تطرقت الحكومة إلى تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي داخل قطاع الصحة، خاصة اتفاقي 24 فبراير 2023 و23 يوليوز 2024، فضلاً عن تعزيز السياسة الدوائية، وتسريع رقمنة المنظومة الصحية بهدف تحسين النجاعة وتبسيط الولوج إلى الخدمات.
وفي سياق موازٍ، أكدت الحكومة، اليوم الخميس، أن كلفة الإجراءات المرتبطة بالحوار الاجتماعي على مستوى القطاع العام، بما في ذلك مراجعة الضريبة على الدخل، بلغت أكثر من 48 مليار درهم سنة 2026، مع توقع ارتفاعها إلى 49,7 مليار درهم سنة 2027.
كما شملت هذه الإجراءات القطاع الخاص، عبر الرفع من الحد الأدنى للأجر، وتوسيع الاستفادة من معاش الشيخوخة، وتخفيف شروط الاستفادة.
غير أن الأثر الفعلي لهذه الزيادات يبقى مرتبطاً بسياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل جزءاً منها أقرب إلى الحفاظ على القدرة الشرائية أكثر من كونه تحسيناً جوهرياً للدخل.
غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تطرح تحدياً مركزياً يتعلق بمدى قدرتها على إحداث تحول نوعي في تجربة المواطن داخل المستشفيات العمومية.
فتعزيز البنيات التحتية وتوسيع العرض الصحي يظل رهيناً بفعالية تدبير الموارد البشرية، وتحسين ظروف اشتغال مهنيي الصحة، وضمان استقرارهم داخل المنظومة الوطنية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالهجرة المهنية نحو الخارج.
كما أن رهانات الحكامة وتجويد الخدمات تبقى حاسمة في تحويل هذه الاستثمارات إلى أثر ملموس.
ورغم تسريع وتيرة الرقمنة وتعزيز البنيات، لا تزال مسألة آجال المواعيد داخل عدد من المؤسسات الصحية تطرح تحدياً قائماً، حيث تمتد في بعض التخصصات لأسابيع أو أشهر، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على ثقة المرتفق في المنظومة الصحية.
تبدو الحكومة اليوم أمام مرحلة دقيقة، حيث لم يعد كافياً الإعلان عن أرقام الاستثمار والمشاريع، بل أصبح الرهان مرتبطاً بمدى انعكاس هذه الجهود على الحياة اليومية للمواطن، وبقدرة المنظومة الصحية على استعادة الثقة، وتحقيق التوازن بين البنية التحتية والموارد البشرية، بما يضمن فعلياً الحق في العلاج كخدمة عمومية أساسية.
