بينما تتواصل الحملات الرسمية للتعريف بورش الحماية الاجتماعية وتُقدَّم صورة متفائلة عن مستقبل المنظومة الصحية، جاء تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2024 ليعيد النقاش حول واقع الخدمات الصحية في المغرب، مسلطاً الضوء على عدد من الاختلالات البنيوية التي ما تزال تؤثر على التمتع الفعلي بالحق في العلاج.
فالتقرير لا يكتفي بعرض مؤشرات تقنية، بل يضع أمام صناع القرار صورة واضحة عن التحديات التي تواجه المرضى داخل المستشفيات والمصحات.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن توسيع التغطية الصحية وتعزيز الولوج إلى العلاج، يشير التقرير إلى أن التعريفة المرجعية الوطنية للخدمات الصحية ما تزال معتمدة وفق تسعيرة تعود إلى سنة 2006، وهو ما يخلق فجوة بين كلفة العلاج الفعلية وبين المبالغ التي يتم احتساب التعويضات على أساسها. هذا الوضع يدفع العديد من المرضى إلى تحمل جزء كبير من مصاريف العلاج رغم توفرهم على التغطية الصحية.
كما توقف التقرير عند بعض الممارسات التي يشتكي منها المواطنون داخل عدد من المصحات الخاصة، من بينها أداء مبالغ مالية خارج الفوترة الرسمية، المعروفة بـ“النوار”، إضافة إلى مطالبة بعض المؤسسات الصحية المرضى بتقديم “شيك ضمان” قبل الاستفادة من العلاج.
وهي ممارسات يثير انتشارها نقاشاً متزايداً حول ضرورة تعزيز المراقبة وتفعيل القوانين المنظمة للقطاع الصحي بما يضمن حماية حقوق المرضى.
ومن بين الإشكالات التي رصدها التقرير أيضاً محدودية الموارد المالية المخصصة لقطاع الصحة مقارنة بحجم الطلب المتزايد على الخدمات الطبية، حيث أشار إلى أن نسبة ميزانية الصحة ما تزال دون المستوى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، والتي تدعو إلى تخصيص ما لا يقل عن 12 في المائة من الميزانية العامة لهذا القطاع الحيوي.
كما لفت التقرير الانتباه إلى استمرار التفاوت في توزيع البنيات الصحية والموارد البشرية بين مختلف الجهات، حيث تتركز بعض الخدمات الطبية المتخصصة في المدن الكبرى، في حين يواجه سكان عدد من المناطق البعيدة صعوبات أكبر في الولوج إلى خدمات صحية متخصصة.
وفي جانب الصحة النفسية، سجل التقرير أن هذا المجال ما يزال يواجه تحديات كبيرة، رغم أن معطيات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تشير إلى أن نحو 17 في المائة من المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية بدرجات مختلفة.
وفي المقابل، يظل عدد الأطباء المتخصصين والبنيات المخصصة لهذا المجال محدوداً مقارنة بالحاجيات المتزايدة.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن الإطار القانوني المنظم للوقاية من الأمراض النفسية وعلاجها يعود إلى سنة 1959، وهو ما يطرح ضرورة تحديث هذا الإطار التشريعي بما يواكب التطورات الحديثة في مجال الصحة النفسية ويضمن حماية أفضل لحقوق المرضى.
كما سجلت زيارات ميدانية لبعض مؤسسات الطب النفسي وجود ضغط كبير على الطاقة الاستيعابية لبعض المرافق الصحية، إضافة إلى نقص في الموارد البشرية والتجهيزات، وهو ما يؤثر على جودة الخدمات المقدمة للمرضى.
وتضع هذه المعطيات النقاش حول إصلاح المنظومة الصحية في المغرب أمام أسئلة جوهرية تتعلق بمدى قدرة السياسات العمومية على تقليص هذه الاختلالات وتحسين ظروف الولوج إلى العلاج.
فنجاح ورش الحماية الاجتماعية لا يرتبط فقط بتوسيع التغطية الصحية، بل أيضاً بتطوير البنيات الصحية وتحديث القوانين وتعزيز الموارد البشرية، بما يضمن أن يتحول الحق في الصحة من نص دستوري إلى واقع ملموس في حياة المواطنين.
