بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على إحداث المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2008، يعود النقاش من جديد حول الجدوى الفعلية لهذه المؤسسة التي وُضعت تحت وصاية رئاسة الحكومة، وكُلفت بمهمة تقييم السياسات الاجتماعية وتحليل ظواهر الفقر والهشاشة.
غير أن التحول من فضاء يفترض أن يكون “مختبراً للأفكار” إلى مؤسسة يُنظر إليها أساساً كمصدر لإنتاج المؤشرات والتقارير، يضع المرصد اليوم في قلب تساؤلات متزايدة حول أثره الواقعي، خاصة في ظل التباين بين طبيعة المهام التي أنشئ من أجلها وبين بعض أولويات التدبير الداخلي.
كشفت مصادر إعلامية خلال الأيام الأخيرة عن معطيات تتعلق بصفقة لتأهيل مقر المرصد الوطني للتنمية البشرية، بلغت قيمتها حوالي 900 مليون سنتيم.
هذا الرقم أعاد النقاش إلى الواجهة حول كيفية ترتيب أولويات الإنفاق داخل مؤسسة يُفترض أن يكون مجال اشتغالها الأساسي هو تحليل الفقر والهشاشة واقتراح السياسات الكفيلة بتقليص الفوارق الاجتماعية.
فهل يتعلق الأمر فقط بتحديث إداري عادي لمقر مؤسسة عمومية، أم أن الأمر يفتح نقاشاً أوسع حول أولويات الإنفاق داخل مؤسسات الحكامة؟
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الجدل لم يتوقف عند قيمة الصفقة فقط، بل امتد أيضاً إلى مسارها الإجرائي، حيث تم الحديث عن فوز شركة كانت من بين المتنافسين في المسطرة نفسها قبل أن تنال العرض النهائي.
وهي معطيات، إن تأكدت تفاصيلها، تطرح بدورها تساؤلات حول مستوى الشفافية الذي ينبغي أن يطبع تدبير الصفقات داخل مؤسسة يفترض أنها تشتغل أساساً على تقييم السياسات العمومية.
طيلة السنوات الماضية، أصدر المرصد عدداً من الدراسات والتقارير التي تناولت مؤشرات الفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية في المغرب، وساهمت في توفير معطيات مهمة لصناع القرار.
غير أن سؤال التأثير يظل مطروحاً بإلحاح: إلى أي حد تُترجم هذه الدراسات إلى سياسات عمومية ملموسة؟ وهل استطاعت توصيات المرصد أن تتحول إلى قرارات قادرة على تقليص الفوارق الاجتماعية أو تحسين ظروف العيش في المناطق الهشة؟
هذا النقاش يعيد طرح مسألة دور مؤسسات التقييم داخل منظومة السياسات العمومية.
فهل يقتصر دورها على تشخيص الاختلالات ورصد المؤشرات، أم يفترض أن تمتلك أيضاً القدرة على التأثير في صناعة القرار التنموي؟ وبين تقارير ترصد الواقع الاجتماعي وتوصيات تقترح مسارات للإصلاح، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة هذه المؤسسات على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التأثير الفعلي.
في نهاية المطاف، تبدو القضية أعمق من مجرد صفقة أو جدل ظرفي. فهي تعيد فتح النقاش حول موقع مؤسسات الحكامة والتقييم داخل النموذج التنموي للمغرب.
فالتنمية لا تقاس فقط بعدد الدراسات أو المؤشرات المنتجة، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.
وبين وفرة التقارير واستمرار التحديات الاجتماعية، يظل السؤال قائماً: هل يكفي تشخيص الأعطاب، أم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤسسات أكثر تأثيراً في توجيه السياسات وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع؟
