بينما تنشغل الأوساط السياسية في الرباط وسلا بترتيبات الاستحقاقات المقبلة، عاد ملف ذو أبعاد إعلامية وقانونية إلى الواجهة، بعد استدعاء مدير نشر موقع “ريحانة بريس”، عبد الوفي العلام، من طرف الشرطة القضائية بالرباط، على خلفية شكاية تقدم بها البرلماني إدريس السنتيسي.
هذا التطور يسلط الضوء مجدداً على طبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والصحافة الرقمية، في لحظة تتقاطع فيها اعتبارات حماية السمعة مع حدود حرية التعبير، خصوصاً حين يتعلق الأمر بنشر معطيات مرتبطة بتدبير الشأن العام.
وفي هذا السياق، يطرح هذا الملف نفسه أيضاً ضمن نقاش أوسع يتجاوز حدوده المحلية، ليمس التوازن الدقيق بين حماية السمعة الشخصية وضمان حرية التعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بتناول قضايا مرتبطة بتدبير الشأن العام.
فوفق ما تؤكد عليه تقارير وآليات تابعة لـ الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان، فإن حرية التعبير، بما في ذلك العمل الصحفي، تشكل ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي، خصوصاً حين ترتبط بمراقبة تدبير المال العام وتعزيز الشفافية.
وفي المقابل، تشدد نفس المرجعيات على ضرورة احترام الضوابط القانونية والأخلاقية التي تحمي الأفراد من التشهير أو المساس غير المشروع بسمعتهم.
هذا التوازن، الذي يبدو نظرياً في النصوص، يتحول في الواقع العملي إلى مجال حساس تتقاطع فيه الاعتبارات القانونية والسياسية والإعلامية، خاصة في السياقات التي تتداخل فيها المسؤوليات الانتخابية مع النقاش العمومي.
اللافت في هذا الملف هو انتقال النقاش من التداول الإعلامي إلى ما يوصف بتقديم معطيات ووثائق؛ حيث أكد مدير النشر، وفق ما تم تداوله، أنه يتوفر على مستندات مرتبطة بتدبير الشأن المحلي بمدينة سلا، مع إبدائه الاستعداد لتقديمها أمام الجهات القضائية المختصة.
وهو ما يرفع منسوب الترقب حول المسار الذي قد تأخذه القضية، وما إذا كانت ستظل في إطار نزاع مرتبط بالتشهير، أم ستفتح نقاشاً أوسع حول تدبير الشأن العام.
وقد تناولنا هذه السلسلة في وقت سابق في إطار تغطية إعلامية اعتمدت على نقل المعطيات والتصريحات كما وردت عن مصدرها، دون تبنّي مضامينها أو الجزم بصحتها، في احترام لأخلاقيات المهنة ولمبدأ قرينة البراءة.
وعلى المستوى القانوني، يبرز النقاش المرتبط بمقتضيات قانون الصحافة والنشر، خاصة المادة 101 التي تحدد أجل تقادم الدعوى العمومية في ستة أشهر. وبالنظر إلى تاريخ النشر المتداول، يثار تساؤل حول مدى انطباق هذا المقتضى على الملف، وما إذا كان يمكن أن يؤثر على مآل الشكاية قبل الوصول إلى جوهرها.
كما أن تقديم مدير الموقع لوثائق إدارية، من بينها بطاقة الصحافة المهنية ورخصة الملاءمة، يندرج ضمن عناصر النقاش المرتبطة بالإطار القانوني المنظم لممارسة الصحافة الرقمية، وهو ما قد يحدد طبيعة التكييف القانوني للملف وحدود متابعته.
ويرتبط هذا الجدل أيضاً بمضامين سلسلة إعلامية حملت عنوان “زواج المال والسلطة”، والتي تطرقت، بحسب ما نُشر، إلى معطيات مرتبطة بتدبير الشأن المحلي بسلا، في سياق يثير نقاشاً أوسع حول حدود التناول الإعلامي لقضايا تدبير المال العام وتضارب المصالح.
وبين منطق حماية السمعة الشخصية، واعتبارات حرية التعبير، يجد هذا الملف نفسه أمام اختبار دقيق داخل القضاء، الذي يبقى الجهة المختصة بالحسم في طبيعة هذا النزاع وحدود التكييف القانوني له، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وصون حرية الصحافة.
