قبل أكثر من ثمانين يوماً من موعد عيد الأضحى، بدأ ما يشبه “نحر” جيوب المغاربة مبكراً عبر خطاب اقتصادي يربط كبش العيد بصراعات الشرق الأوسط وتوترات الملاحة الدولية، في تمهيد نفسي لغلاء محتمل يفرض سؤالاً حارقاً: هل نحن فعلاً أمام أزمة أعلاف عابرة للقارات، أم أمام محاولة لتسويق زيادات مسبقة تحت غطاء الأزمات العالمية؟ إن لغة الأرقام والجغرافيا تطرح مفارقة واضحة؛ فالمغرب يستورد المواد الأساسية للأعلاف، وعلى رأسها الذرة وكسبة الصوجا، أساساً من البرازيل والأرجنتين والولايات المتحدة، وهي مسارات تجارية بعيدة تماماً عن بؤر التوتر المشتعلة.
كما أن الشحن البحري لهذه المواد يستغرق أسابيع قبل وصولها إلى الموانئ المغربية، ما يعني أن الأعلاف المتداولة حالياً هي في الغالب جزء من مخزونات تم استيرادها قبل فترة بأسعار مستقرة نسبياً.
ومع ذلك، تقفز الأسعار في النقاش العمومي فور سماع خبر عاجل في البورصات العالمية، وكأن السوق المحلية تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها شاشات التداول الدولية.
ورغم تقديم التوترات الدولية كعامل مباشر في ارتفاع الأسعار، يبرز سؤال منطقي حول كلفة النقل نفسها: هل هي مبنية على أسعار طاقة لحظية في الأسواق العالمية، أم على عقود توريد وتدفقات تم الاتفاق عليها مسبقاً؟ فالمعروف في الأسواق أن الأسعار ترتفع بسرعة عند أول إشارة لزيادة محتملة، لكنها تتحرك ببطء شديد عندما تتراجع المؤشرات العالمية.
ويزداد هذا النقاش حساسية بالنظر إلى الدعم الذي تقدمه الدولة لقطاع النقل من أجل تخفيف أثر تقلبات الطاقة؛ فكيف يتحمل الكساب والمواطن أثر الزيادة مرتين بينما تُضخ أموال عمومية في المقابل لامتصاص نفس الصدمات؟
غير أن التفسير الكامل لغلاء الأضاحي لا يقف عند حدود الأعلاف أو الطاقة فقط، بل يمتد إلى ما يشبه “الثقوب السوداء” داخل سلسلة التوزيع نفسها.
فالسعر الذي يصل إلى المستهلك يتشكل عبر حلقات متعددة من الوسطاء والتجار وموردي الأعلاف، وتشير تقديرات متداولة بين مهنيين في القطاع إلى أن هوامش الربح داخل بعض هذه الحلقات قد تصل إلى نحو 30 في المائة، وهو ما يرفع السعر النهائي بشكل يتجاوز الكلفة الأصلية لدى المربي.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية يتعلق بدور مجلس المنافسة، باعتباره الهيئة الدستورية المكلفة بمراقبة قواعد المنافسة وتتبع الاختلالات داخل الأسواق. فالمجلس، من حيث المبدأ، معنيّ بتقييم كيفية تشكل الأسعار وهوامش الربح داخل سلاسل التوزيع، خاصة في القطاعات التي تثير نقاشاً واسعاً حول كلفة المنتجات الأساسية.
ومع اقتراب موسم الأضاحي، يتجدد النقاش حول مدى حضور هذه المؤسسة في تتبع ديناميات سوق الأعلاف والماشية، خصوصاً عندما يتم تفسير أي ارتفاع محتمل في الأسعار بعوامل خارجية عامة مثل التوترات الدولية.
فالسؤال لا يتعلق فقط بكلفة الاستيراد أو تقلبات الأسواق العالمية، بل أيضاً بمدى شفافية تشكل الأسعار من الميناء إلى الضيعة ثم إلى السوق.
فالحروب والتوترات الجيوسياسية قد تؤثر بلا شك على الاقتصاد العالمي، لكن تحويلها إلى تفسير جاهز لكل ارتفاع محلي يظل أمراً يستحق النقاش.
لأن المشكلة قد لا تكون دائماً في “الحرب البعيدة”، بل في الطريقة التي تتحرك بها السوق القريبة عندما تجد في تلك الأزمات فرصة لرفع الأسعار قبل أن تصل آثارها الحقيقية.
