يتجه المغرب اليوم نحو ما يشبه تحولاً عميقاً في بنيته المؤسساتية بإطلاق عملية واسعة لإعادة ترتيب محفظته العمومية.
غير أن خلف المصطلحات التقنية من قبيل “النجاعة” و”التدبير الاستراتيجي”، يبرز واقع يعكس أن عدداً من المؤسسات التي استنزفت ميزانية الدولة لسنوات طويلة أصبحت اليوم موضوع مسار التصفية.
إن رقم 91 مؤسسة ومقاولة عمومية الموضوعة ضمن هذا المسار لا يمثل مجرد معطى تقني، بل يعكس حجم الاختلالات التي عرفها تدبير جزء من القطاع العمومي خلال فترات سابقة، حيث استمرت بعض المؤسسات في العمل دون أن تحقق مردودية اقتصادية واضحة أو أثراً ملموساً في خدمة المواطن.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر إعلامية أن وزارة الاقتصاد والمالية أطلقت دراسة تقنية تروم إحداث هيئة مركزية لتنسيق وتسريع عمليات تصفية المؤسسات والمقاولات المعنية، في إطار تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية.
ويأتي التفكير في هذه الهيئة الجديدة في ظل تعقيدات المساطر القانونية والإدارية المرتبطة بعمليات التصفية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات راكمت على مدى سنوات أصولاً وديوناً وموارد بشرية يصعب تدبيرها عبر الآليات التقليدية.
غير أن هذا المسار يطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً حول أسباب الوصول إلى هذه المرحلة.
فاستمرار بعض المؤسسات في تلقي الدعم العمومي وصرف الأجور وتراكم الالتزامات المالية لسنوات، دون تحقيق نتائج ملموسة، يطرح إشكالية الحكامة وتقييم الأداء داخل القطاع العمومي، كما يعيد النقاش حول مدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المال العام.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الدولة على تحويل 15 مؤسسة استراتيجية، من بينها مؤسسات تنشط في مجالات الهيدروكربورات والمطارات والموانئ، إلى شركات مساهمة قبل حلول صيف 2026، يبرز نقاش آخر حول مدى قدرة هذا التحول القانوني على معالجة الاختلالات البنيوية.
فالسؤال المطروح ليس فقط تغيير الإطار القانوني للمؤسسات، بل أيضاً ضمان تطوير نماذج الحكامة وتعزيز آليات الرقابة والشفافية حتى لا تتحول هذه العملية إلى مجرد تعديل شكلي دون أثر فعلي على الأداء.
وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن أشار في تقاريره إلى وجود صعوبات مرتبطة بتقييم الأصول والخصوم بالنسبة لبعض المؤسسات قيد التصفية، نتيجة غياب جرد شامل ومحيَّن لممتلكاتها وديونها.
هذا الوضع يطرح تحديات حقيقية أمام الدولة في تحديد الوضعية المالية الدقيقة للمؤسسات المعنية، كما يفتح النقاش حول ضرورة تدقيق شامل للمعطيات المالية قبل الشروع في أي عملية تصفية أو تحويل قانوني.
ولا يقتصر هذا الورش الإصلاحي على المؤسسات الموضوعة في طور التصفية، بل يشمل أيضاً نحو 73 مؤسسة ومقاولة عمومية توجد حالياً في طور إعادة الهيكلة، إضافة إلى حوالي 60 مؤسسة أخرى ما تزال قيد الدراسة لتحديد مستقبلها الاستراتيجي.
ويعكس هذا الرقم حجم التحولات التي يعرفها القطاع العمومي في المغرب، في إطار سعي الدولة إلى إعادة تحديد دورها الاقتصادي وتعزيز نجاعة مؤسساتها.
غير أن بعض المتابعين يحذرون من أن نجاح هذه الإصلاحات لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي سيتم حلها أو تحويلها، بل بمدى قدرة الدولة على ترسيخ قواعد الحكامة الجيدة والشفافية في تدبير المال العام.
فإصلاح القطاع العمومي يظل رهيناً بوجود منظومة واضحة لتقييم الأداء ومساءلة المسؤولين عن الاختلالات التي أدت إلى تعثر بعض المؤسسات، حتى لا تتحول عمليات التصفية إلى مجرد إغلاق إداري للملفات دون استخلاص الدروس الضرورية للمستقبل.
يبقى التحدي الحقيقي لهذا الإصلاح هو تحقيق التوازن بين إعادة هيكلة المحفظة العمومية وحماية المال العام، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويؤكد أن تدبير الموارد العمومية يتم وفق قواعد المسؤولية والشفافية.
فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على إعادة ترتيب الهياكل، بل يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة مؤسساتية قائمة على المحاسبة والنجاعة في خدمة المصلحة العامة.
