مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، يبدو أن بورصة الانتخابات في المغرب لم تعد تخضع فقط لمنطق النضال الحزبي أو الكفاءة التدبيرية، بل أيضاً لما يمكن وصفه بـ “خوارزميات الانتباه” التي باتت تؤثر بشكل متزايد في الفضاء الرقمي.
كواليس المقرات المركزية في الرباط تشهد هذه الأيام حركية من نوع خاص؛ أبطالها ليسوا فقط مناضلين قضوا سنوات في الشبيبات الحزبية، بل أيضاً فنانون ومؤثرون رقميون يرون أن “رصيد المتابعين” قد يشكل مدخلاً لاقتحام قبة البرلمان.
وكما نشرنا سابقاً حول هذا الموضوع، فإن بعض المؤثرين الذين يتوفرون على ملايين المتابعين في منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” بدأوا يطرقون أبواب قيادات سياسية، ليس ببرامج انتخابية مفصلة أو مقترحات تشريعية واضحة، بل بأرقام المشاهدات وحجم التفاعل الذي تحققه منصاتهم الرقمية.
وهو ما يعكس شكلاً جديداً من التفاعل بين السياسة والفضاء الرقمي، حيث أصبح الوصول إلى جمهور واسع عاملاً يحظى باهتمام متزايد داخل بعض الحملات الانتخابية.
إن بروز ما يمكن تسميته بـ “سياسة الترند” يسلط الضوء على تحولات متسارعة في العلاقة بين السياسة والإعلام الرقمي. فالمؤثر٧ الذي اعتاد على منطق الانتشار السريع للمحتوى قد يجد نفسه أمام واقع مختلف داخل البرلمان، حيث تتطلب مناقشة القوانين وتتبع السياسات العمومية فهماً دقيقاً للنصوص القانونية والملفات الاقتصادية والاجتماعية.
وتشير بعض المعطيات المتداولة في كواليس هذه المشاورات إلى أن عدداً من هذه الشخصيات لا يكتفي بطلب التزكية الانتخابية فقط، بل يناقش أيضاً أشكالاً من التعاون التواصلي مع الأحزاب، من بينها توظيف منصاتهم الرقمية خلال الحملات الانتخابية.
وهو ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في طبيعة الحملات السياسية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الفضاء الرقمي.
غير أن هذا التحول يضع الأحزاب أيضاً أمام تحدٍ جديد يتعلق بالتوازن بين الحضور الإعلامي والكفاءة السياسية.
فأن يجد بعض الأطر الأكاديمية أو المهنية أنفسهم في منافسة مع شخصيات اكتسبت شهرتها أساساً عبر المنصات الرقمية يعكس حجم التغير الذي يعرفه المجال السياسي في عصر الإعلام الاجتماعي.
ويبقى النقاش قائماً حول مدى قدرة الشهرة الرقمية على التحول إلى قوة انتخابية فعلية داخل صناديق الاقتراع، إذ إن الجمهور الرقمي لا يتصرف دائماً بنفس المنطق داخل المجال السياسي، كما أن تحقيق انتشار واسع في المنصات الاجتماعية لا يعني بالضرورة القدرة على تمثيل المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق تبدو الانتخابات المقبلة في المغرب اختباراً مهماً لعلاقة السياسة بعالم المنصات الرقمية فبين الخبرة السياسية والحضور في الفضاء الرقمي، يظل النقاش مفتوحاً حول ما إذا كان البرلمان سيحافظ على طابعه كمجال لصناعة القرار العمومي، أم أن سياسة الترند ستصبح أحد العناصر المؤثرة في ملامح المشهد السياسي خلال السنوات القادمة.
