تفتح مطالبة صادرة عن حكومة غاليسيا الإسبانية، اليوم الثلاثاء 16 يونيو 2026، بشأن استئناف تصدير الأبقار الحية نحو المغرب، نافذة جديدة على واحد من أكثر الملفات حساسية داخل السوق الوطنية، حيث يتقاطع الأمن الصحي مع التجارة الخارجية، وتعود أسعار اللحوم الحمراء إلى صلب النقاش العمومي.
فبحسب بلاغ رسمي صادر عن حكومة غاليسيا، دعت المسؤولة الجهوية عن العالم القروي، ماريا خوسي غوميز، الحكومة الإسبانية إلى فتح قنوات تفاوض مع المغرب، بهدف إعادة تنشيط صادرات الأبقار الحية نحو السوق المغربية، بعد استمرار القيود المرتبطة بمرض الجلد العقدي المعدي عند الأبقار.
البلاغ الإسباني قدّم المسألة من زاوية اقتصادية وفلاحية تهم المنتجين الإسبان، خصوصاً أن المغرب يُعد من الأسواق المهمة بالنسبة لصادرات الأبقار الحية القادمة من إسبانيا.
كما أشار إلى أن عدم تسجيل حالات جديدة منذ شهر مارس في منطقتي كتالونيا وأراغون، وفق المعطيات التي أوردها المصدر نفسه، ينبغي أن يفتح الباب أمام بحث إمكانية استئناف التصدير.
غير أن أهمية هذا الخبر بالنسبة للمغرب لا تقف عند حدود مطالبة جهوية إسبانية، أو ضغط اقتصادي صادر عن منتجين متضررين. فالموضوع يلامس، بشكل مباشر، سؤالاً داخلياً أكثر حساسية، يتعلق بمدى نجاعة سياسة استيراد اللحوم في التخفيف من ضغط الأسعار على المستهلك المغربي.
فإذا كانت السلطات المغربية قد اختارت الإبقاء على قيود صحية مرتبطة بوضع بيطري معين، فإن هذا القرار يظل مفهوماً من زاوية حماية القطيع الوطني والسلامة الصحية.
غير أن الجانب الآخر من النقاش يرتبط بضرورة توضيح أثر هذه القيود على السوق الداخلية، خاصة في ظرف يعرف فيه ملف اللحوم الحمراء اهتماماً اجتماعياً واسعاً بسبب استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة.
المعطيات الاقتصادية تمنح الملف حجماً أكبر من مجرد خلاف تقني حول شروط التصدير. فقد كانت السوق المغربية، وفق معطيات صحفية إسبانية متخصصة، تستقبل خلال سنة 2024 نسبة مهمة من صادرات إسبانيا من الأبقار الحية، بما يعادل عشرات الآلاف من الأطنان، وبقيمة مالية تتجاوز مائة مليون يورو.
وهذا يعني أن توقف هذه القناة التجارية لا يهم المنتج الإسباني وحده، بل يطرح أيضاً سؤال البدائل التي اعتمدها المغرب لتأمين حاجيات السوق.
هنا يصبح النقاش ضرورياً. هل جرى تعويض تراجع الواردات القادمة من إسبانيا بمصادر أخرى؟ وهل انعكس ذلك فعلاً على وفرة العرض داخل السوق الوطنية؟ ثم لماذا لم يشعر المستهلك المغربي، بالقدر الكافي، بأثر سياسة الاستيراد على أسعار اللحوم الحمراء؟.
هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في وجاهة الحذر الصحي، ولا الدعوة إلى تغليب منطق السوق على اعتبارات السلامة. فالأمراض الحيوانية العابرة للحدود تفرض بطبيعتها يقظة صارمة، وأي قرار في هذا المجال ينبغي أن يخضع للخبرة البيطرية والمعايير الصحية المعتمدة.
لكن الرأي العام يحتاج، في المقابل، إلى تواصل أوضح حول علاقة هذه القرارات بمنظومة الأسعار، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمنتوج أساسي حاضر في الاستهلاك اليومي للمغاربة.
اللافت في هذا الملف أن الضغط لا يأتي هذه المرة من الداخل المغربي، بل من جهة إسبانية ترى في السوق المغربية منفذاً مهماً لمنتجيها.
وهذا المعطى يضع المغرب أمام معادلة دقيقة، تقوم على حماية السوق الوطنية والقطيع المحلي من أي خطر صحي محتمل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن العرض والأسعار داخل سوق اللحوم.
من هذه الزاوية، يتحول خبر غاليسيا إلى أكثر من مجرد مطالبة باستئناف التصدير. إنه يكشف هشاشة جزء من معادلة اللحوم الحمراء في المغرب، حيث تتداخل قرارات الاستيراد، والمراقبة الصحية، وكلفة الإنتاج المحلي، وهوامش التوزيع، والقدرة الشرائية للمواطن.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة ما إذا كانت الأبقار الإسبانية ستعود إلى السوق المغربية أم لا. الرهان الأعمق هو معرفة ما إذا كانت هناك رؤية واضحة ومنسجمة لتدبير قطاع اللحوم الحمراء، تجمع بين حماية الصحة الحيوانية، وضمان وفرة العرض، وضبط مسالك التوزيع، وتخفيف العبء عن المستهلك.
إن تمسك المغرب بالمعايير الصحية حق سيادي لا نقاش فيه، خصوصاً حين يتعلق الأمر بسلامة القطيع الوطني والأمن الغذائي. غير أن هذا الحق يحتاج إلى أن يواكبه تواصل مؤسساتي شفاف، يشرح للمواطنين لماذا تُتخذ بعض القرارات، وكيف تنعكس على السوق، وما هي الإجراءات البديلة لحماية القدرة الشرائية.
وبين قلق المنتجين الإسبان، وحذر السلطات المغربية، وانتظار المستهلك المحلي لانخفاض ملموس في الأسعار، يبقى ملف الأبقار الإسبانية عنواناً صغيراً لسؤال أكبر، كيف يمكن للمغرب أن يدير سوق اللحوم الحمراء بمنطق يجمع بين السلامة، والشفافية، والنجاعة الاقتصادية؟.
فالخبر القادم من غاليسيا لا يهم إسبانيا وحدها. إنه يضع أمام المغرب مرآة قطاع ما زال يحتاج إلى أجوبة أوضح، ليس فقط حول مصدر الأبقار المستوردة، بل حول أثر هذه السياسات على آخر حلقة في السلسلة، المواطن الذي يصل في النهاية إلى محل الجزارة، ويواجه السعر كما هو، بعيداً عن البلاغات والاتفاقات والقيود الصحية.
